في تطور جديد يتابعه الرأي العام عن كثب، وضع مجلس القضاء الأعلى في العراق حداً للتكهنات المحيطة بقضية سرقة القرن في العراق، مؤكداً في بيان رسمي أن أي تخفيف للعقوبات أو شمول المتهمين بالعفو مرهون بشكل أساسي بإعادة الأموال المنهوبة إلى خزينة الدولة. ويأتي هذا التأكيد ليضع إطاراً واضحاً لمسار محاكمة المتورطين في واحدة من أكبر فضائح الفساد في تاريخ البلاد، وعلى رأسهم المتهم نور زهير وعدنان الجميلي.
وأوضح المجلس في بيانه أن المحاكم المختصة بمكافحة الفساد تواصل إجراءاتها الحازمة لمحاسبة جميع المتورطين واسترداد أموال الدولة، مع ترك الباب مفتوحاً أمام إمكانية تخفيف الإجراءات القانونية أو العقوبات بحق كل من يبادر إلى إعادة الأموال التي استولى عليها بطرق غير مشروعة.
جذور الفساد وتداعيات “سرقة القرن في العراق”
تعود جذور هذه القضية، التي هزت الأوساط السياسية والشعبية في العراق، إلى الكشف عن اختفاء مبلغ ضخم يقدر بنحو 2.5 مليار دولار (ما يعادل 3.7 تريليون دينار عراقي) من حسابات الأمانات الضريبية في مصرف الرافدين الحكومي. وتمت عملية الاختلاس الممنهجة بين سبتمبر 2021 وأغسطس 2022 عبر شبكة معقدة من الشركات الوهمية والمسؤولين المتواطئين، حيث تم سحب الأموال عبر 247 صكاً بأسماء شركات، من بينها شركتا “القانوت” و”المبدعون” العائدتان للمتهم نور زهير، والتي قامت بسحب أموال الأمانات الضريبية المودعة لدى الهيئة العامة للضرائب بطرق مخالفة للقانون.
لم تكن هذه الحادثة مجرد عملية اختلاس عادية، بل كشفت عن عمق الفساد المستشري في مفاصل الدولة العراقية، والذي يُعتبر أحد أكبر التحديات التي تواجه البلاد منذ عقود، حيث يستنزف مواردها ويعيق جهود التنمية وإعادة الإعمار، ويفاقم من انعدام ثقة المواطن بالمؤسسات الحكومية.
تأثيرات القضية على استقرار الدولة وثقة المواطن
جاء الكشف عن “سرقة القرن” ليمثل اختباراً حقيقياً للحكومة العراقية برئاسة محمد شياع السوداني، التي وضعت مكافحة الفساد على رأس أولوياتها. وقد أثارت القضية غضباً شعبياً واسعاً، مع مطالبات بمحاسبة جميع المتورطين مهما كانت مناصبهم. وعلى الصعيد الدولي، أضرت الفضيحة بسمعة العراق المالية وأثارت قلق المؤسسات الدولية والمستثمرين المحتملين بشأن بيئة الأعمال والشفافية في البلاد. وبالتالي، فإن نجاح السلطات في استرداد الأموال ومحاسبة الجناة يُعد أمراً حيوياً لاستعادة الثقة محلياً ودولياً.
تفاصيل المسار القضائي ومصير المتورطين
أشار بيان مجلس القضاء إلى أنه تم سابقاً إطلاق سراح المتهم نور زهير بكفالة مالية، بناءً على اتفاق يقضي بإعادة الأموال على دفعات. وبالفعل، تم استرداد مبلغ 365 مليار دينار من أصل نحو 1.618 تريليون دينار مترتبة بذمة شركتيه. إلا أن المتهم غادر العراق وتوقف عن السداد، مما دفع المحكمة إلى إصدار حكم غيابي بحقه بالسجن لمدة عشر سنوات، مع اتخاذ إجراءات لملاحقته عبر الشرطة العربية والدولية (الإنتربول) لاسترداده. ولا يزال طلب شموله بقانون العفو معلقاً بانتظار رد وزارة المالية، الجهة المتضررة، بشأن آلية تسديد المبالغ المتبقية. وفي سياق متصل، يقضي 12 موظفاً في الهيئة العامة للضرائب أحكاماً بالسجن لدورهم في تسهيل عمليات السحب غير القانونية، مع إمكانية شمولهم بالعفو بعد تسديد التعويضات.
كما صدرت أحكام غيابية بحق مدير مكتب رئيس الوزراء السابق وعدد من المستشارين، بينما أُغلق التحقيق مع رئيس الوزراء السابق لعدم كفاية الأدلة. أما فيما يخص قضية شركة “مصافي الشمال” والمتهم عدنان الجميلي، أوضح المجلس أن المتهمين قد يستفيدون من قانون العفو إذا كانت الجرائم مرتكبة قبل نفاذ القانون وتمت إعادة الأموال، في حين تخضع الجرائم اللاحقة لإجراءات قانونية مختلفة تضمن استرداد الأموال العامة.


