في خطوة دبلوماسية بالغة الأهمية، شهدت العاصمة السورية دمشق أول زيارة رسمية لمسؤول عراقي رفيع المستوى منذ التغيير السياسي الذي أدى إلى الإطاحة بنظام بشار الأسد في أواخر عام 2024. حيث التقى وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين بنظيره في الحكومة الانتقالية السورية، أسعد الشيباني، لتدشين مرحلة جديدة من التعاون العراقي السوري تهدف إلى مواجهة التحديات المشتركة وبناء مستقبل قائم على المصالح المتبادلة والاستقرار الإقليمي.
تأتي هذه الزيارة لتطوي صفحة الماضي المعقدة في العلاقات بين البلدين الجارين، والتي اتسمت بالتوتر أحياناً والتعاون الحذر أحياناً أخرى، خاصة خلال سنوات الحرب الأهلية السورية. لطالما شكلت الحدود المشتركة الممتدة لأكثر من 600 كيلومتر تحدياً أمنياً للجانبين، لا سيما مع ظهور تنظيم “داعش” الإرهابي الذي اتخذ من المناطق الحدودية مسرحاً لعملياته. واليوم، ومع بزوغ فجر جديد في سوريا، تسعى بغداد لتكون شريكاً أساسياً في دعم الاستقرار وإعادة الإعمار، مدركة أن أمن سوريا واستقرارها ينعكسان بشكل مباشر على أمن العراق القومي.
صفحة جديدة في العلاقات: أفق واعد لـ التعاون العراقي السوري
تضع المباحثات الحالية حجر الأساس لشراكة استراتيجية تتجاوز التنسيق الأمني لتشمل آفاقاً اقتصادية وتجارية واسعة. وأكدت وزارة الخارجية العراقية أن الوزير سيجري سلسلة من اللقاءات مع كبار المسؤولين السوريين لبحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتطوير التعاون المشترك في مختلف المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والتجارية، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين الشقيقين. إن إعادة تفعيل المعابر الحدودية بشكل كامل، وتسهيل حركة التبادل التجاري، وإحياء المشاريع الاستراتيجية المتوقفة مثل خطوط نقل الطاقة، تمثل أولويات قصوى يمكن أن تحقق نقلة نوعية في اقتصاد البلدين.
أولويات المرحلة: الأمن والاقتصاد على طاولة المباحثات
يتركز النقاش بشكل أساسي على ملفين رئيسيين: الأمن والاقتصاد. فعلى الصعيد الأمني، يتطلع البلدان إلى تعزيز التنسيق الاستخباري لمكافحة فلول التنظيمات الإرهابية وتأمين الحدود ومنع عمليات التهريب. أما على الصعيد الاقتصادي، فيمثل العراق عمقاً استراتيجياً لسوريا، ويمكن أن يلعب دوراً محورياً في عملية إعادة الإعمار من خلال الاستثمارات والخبرات، بينما تشكل سوريا بوابة حيوية للعراق نحو البحر المتوسط، مما يفتح آفاقاً جديدة للتجارة والنقل. ومن المتوقع أن تشهد الزيارة مباحثات حول تسهيل دخول الشاحنات والبضائع، وتفعيل الاتفاقيات التجارية السابقة، واستكشاف فرص جديدة في قطاعات الطاقة والزراعة والصناعة.
تكتسب هذه الزيارة أهمية إقليمية ودولية، كونها ترسل رسالة واضحة بأن دول المنطقة قادرة على بناء جسور التعاون وتجاوز خلافات الماضي. إن نجاح الشراكة العراقية السورية الجديدة لن يخدم مصالح بغداد ودمشق فحسب، بل سيسهم بشكل كبير في ترسيخ الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، ويقدم نموذجاً للعلاقات الإيجابية المبنية على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.


