تتجه الأنظار إلى العاصمة بغداد التي تشهد حراكاً سياسياً وأمنياً مكثفاً، حيث تسعى الحكومة العراقية جاهدة إلى تطبيق استراتيجية حصر السلاح بيد الدولة كخطوة حاسمة لإنهاء المظاهر المسلحة غير القانونية. ويمثل شهر سبتمبر القادم موعداً مفصلياً حددته رئاسة الوزراء بالتوافق مع قوى الإطار التنسيقي الشيعي الحاكم لتسليم السلاح، وسط ترقب محلي وإقليمي لما ستسفر عنه الاجتماعات الساخنة المقررة الأسبوع المقبل لبحث سيناريوهات الصدام المحتمل مع بعض الفصائل المسلحة التي ترفض نزع سلاحها أو التخلي عن نفوذها ومواقعها التقليدية.
الجذور التاريخية لملف السلاح المنفلت في العراق
يعود ملف السلاح خارج إطار الدولة في العراق إلى عقود من الاضطرابات السياسية والأمنية، وتحديداً منذ عام 2003 وما تلاها من مواجهات طائفية وأمنية. وقد شهد هذا الملف تحولاً جوهرياً عقب اجتياح تنظيم “داعش” الإرهابي لمدن عراقية واسعة في عام 2014، مما استدعى تأسيس هيئة الحشد الشعبي بناءً على فتوى الجهاد الكفائي. ورغم الدور الكبير الذي لعبته هذه الفصائل في دحر الإرهاب، إلا أن استمرار احتفاظ بعضها بالسلاح والقرار السياسي المستقل بات يشكل تحدياً حقيقياً لسيادة الدولة العراقية ومؤسساتها الدستورية، مما جعل من تنظيم هذا السلاح ضرورة ملحة للاستقرار المستقبلي.
خطة الإطار التنسيقي لتطبيق حصر السلاح بيد الدولة
تعهدت قوى الإطار التنسيقي الشيعي الحاكم بتقديم الدعم الكامل لرئيس الوزراء للمضي قدماً في إجراءات فك ارتباط هيئة الحشد الشعبي بالأحزاب السياسية، وتطبيق خطة حصر السلاح بيد الدولة في مدة أقصاها سبتمبر القادم. وتتزامن هذه التحركات مع الترتيبات الجارية للانسحاب الكامل لقوات التحالف الدولي من البلاد، وهو الملف الاستراتيجي الذي تمت مناقشته مع الإدارة الأمريكية لضمان جاهزية القوات العراقية لإدارة الأمن القومي بشكل مستقل.
وقد بدأت الخطوات العملية لتنفيذ هذا الاتفاق بسحب مسودتي قانون الحشد الشعبي وقانون التقاعد الخاص به من البرلمان العراقي، بهدف إعادة صياغتها بما يتوافق مع الرؤية الأمنية الجديدة. وفي هذا السياق، أبدت فصائل بارزة مثل عصائب أهل الحق، ومنظمة بدر، وكتائب سيد الشهداء، وثأر الله، وكتائب الإمام علي، مرونة واضحة عبر تشكيل لجنة مركزية تتولى جرد الأفراد والآليات تمهيداً لتسليم السلاح إلى الأجهزة الرسمية.
اجتماعات حاسمة لاحتواء الفصائل الرافضة وتجنب الصدام
على الجانب الآخر، تبرز عقبة رئيسية تتمثل في رفض بعض الفصائل المسلحة تسليم سلاحها، وفي مقدمتها كتائب حزب الله، وحركة النجباء، وجماعة أصحاب الكهف. ولتفادي أي صدام مسلح قد يهدد السلم الأهلي، كشفت مصادر مطلعة عن ترتيبات لعقد سلسلة من الاجتماعات المكثفة والساخنة خلال الأسبوع المقبل بين قادة الإطار التنسيقي وقيادات الفصائل الرافضة. وتهدف هذه اللقاءات إلى صياغة تسوية توافقية تضمن انخراط الجميع تحت مظلة القانون وتجنب البلاد شبح الاقتتال الداخلي.
التأثيرات المتوقعة لإنهاء المظاهر المسلحة محلياً ودولياً
إن نجاح العراق في فرض سيادته الكاملة وإنهاء ظاهرة السلاح المنفلت سيحمل انعكاسات إيجابية كبرى على مختلف الأصعدة. محلياً، سيسهم ذلك في تعزيز الاستقرار الأمني، وجذب الاستثمارات الأجنبية لإعادة الإعمار، وتقوية ثقة المواطن في مؤسساته الأمنية الرسمية. أما إقليمياً ودولياً، فإن استقرار العراق يمثل ركيزة أساسية لأمن منطقة الخليج والشرق الأوسط، حيث يبعث برسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الدولة العراقية قادرة على حماية البعثات الدبلوماسية والمصالح المشتركة دون تدخل من قوى موازية.


