يدخل العراق مرحلة سياسية جديدة وحاسمة مع تكليف علي الزبيدي بمهمة تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، وذلك عقب إعلان “الإطار التنسيقي”، الذي يمثل الكتلة الأكبر في البرلمان، عن اختياره مرشحاً رسمياً لرئاسة الوزراء. يأتي هذا التطور لينهي حالة من الجمود السياسي استمرت لأشهر طويلة، وعقب تنازل شخصيات بارزة مثل نوري المالكي ومحمد شياع السوداني عن السباق، مما يعكس محاولة جادة لاحتواء الانقسام السياسي وتفادي الضغوط الداخلية والخارجية التي أحاطت بالأسماء المطروحة سابقاً.
جاء هذا الاختيار في سياق سياسي معقد أعقب الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي لم تفرز فائزاً واضحاً قادراً على تشكيل حكومة أغلبية بمفرده. وقد تعمقت الأزمة بانسحاب الكتلة الصدرية، بزعامة مقتدى الصدر، من البرلمان، مما أعاد خلط الأوراق ومنح خصومهم في الإطار التنسيقي، وهو تحالف يضم قوى شيعية بارزة، اليد العليا في مفاوضات تشكيل الحكومة. ويمثل اختيار شخصية تسوية مثل الزبيدي محاولة لتجاوز الاستقطاب الحاد الذي ساد المشهد، وتقديم وجه جديد قد يكون مقبولاً لدى مختلف الأطراف الداخلية، وكذلك القوى الإقليمية والدولية المؤثرة في الشأن العراقي.
مرشح تسوية في مواجهة تحديات جسام
يواجه الزبيدي، الذي يعد من أصغر رؤساء الوزراء في تاريخ العراق الحديث، تركة ثقيلة وتحديات متعددة الأوجه. على الصعيد الأمني، يتصدر ملف السلاح المنفلت وسيطرة بعض الفصائل المسلحة على مفاصل أمنية واقتصادية قائمة الأولويات، وهو ملف شائك يقع في قلب التجاذب بين النفوذين الأمريكي والإيراني على الأراضي العراقية. فالولايات المتحدة تضغط باستمرار لنزع سلاح الجماعات الموالية لإيران، بينما تعتبر هذه الفصائل نفسها جزءاً من المنظومة الأمنية للبلاد. داخلياً، هناك ضرورة ملحة لإعادة بناء الثقة مع الشارع العراقي الذي لا يزال يعاني من تداعيات الفساد وتردي الخدمات، وهي الأسباب التي فجرت احتجاجات واسعة في عام 2019.
مستقبل تشكيل الحكومة العراقية وتوازنات القوى
اقتصادياً، يدخل رئيس الوزراء المكلف سباقاً مع الزمن لمعالجة تداعيات الاعتماد شبه الكلي على عائدات النفط، في ظل تقلبات أسواق الطاقة العالمية والمخاطر الجيوسياسية التي تهدد استقرار الإمدادات، مثل التوترات في مضيق هرمز. أما على الصعيد الدبلوماسي، فتبرز الحاجة الماسة لإعادة ضبط العلاقات مع دول الخليج العربي، التي شهدت توترات بسبب هجمات نُفذت من قبل فصائل مسلحة انطلاقاً من العراق. ويُنظر إلى الزبيدي، القادم من خلفية مصرفية وإعلامية ويفتقر إلى الخبرة الحكومية العميقة، على أنه قد يمتلك مرونة أكبر في التعامل مع هذه الملفات المعقدة. وأمامه مهلة دستورية لا تتجاوز 30 يوماً لتقديم تشكيلته الوزارية ونيل ثقة البرلمان، ويبقى نجاحه مرهوناً بقدرته على موازنة نفوذ واشنطن وطهران، واحتواء تعقيدات المشهد الداخلي المتشابك.


