في مدينة فاس العريقة، وبحضور نخبوي عالمي، شارك معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، الشيخ الدكتور محمد بن عبدالكريم العيسى، كمتحدث رئيسي في افتتاح المؤتمر الدولي للجامعة الأورومتوسطية، الذي انطلقت فعالياته تحت عنوان “مستقبل الحضارة الإنسانية في ظل الذكاء الاصطناعي”. وشهد الحدث مشاركة واسعة من شخصيات عالمية بارزة، يتقدمهم الممثل السامي للأمم المتحدة لتحالف الحضارات، إلى جانب كوكبة من الأكاديميين والمفكرين من 75 دولة، وبحضور تجاوز 2000 شخص، مما يعكس الأهمية العالمية للموضوع المطروح.
فاس: ملتقى الحضارات يحتضن حوار المستقبل
يأتي اختيار مدينة فاس المغربية لاستضافة هذا المؤتمر الدولي الهام ليعزز من رمزيته، فالمدينة التي تحتضن جامعة القرويين، أقدم جامعة مستمرة في منح الدرجات العلمية في العالم، لطالما كانت منارة للعلم وملتقى للحضارات والثقافات عبر العصور. إن عقد هذا الحوار حول مستقبل التكنولوجيا في مدينة ضاربة في عمق التاريخ يمثل جسراً رمزياً بين أصالة الماضي ورؤى المستقبل، ويؤكد على أن التطور التكنولوجي يجب أن يستلهم من الحكمة الإنسانية المتراكمة. وتعد الجامعة الأورومتوسطية، التي تأسست بمبادرة ملكية سامية، منصة مثالية لهذا الحوار، حيث تهدف إلى تعزيز التبادل الأكاديمي والثقافي بين ضفتي المتوسط.
رؤية العيسى لمستقبل الذكاء الاصطناعي في المؤتمر الدولي للجامعة الأورومتوسطية
في كلمته الافتتاحية، أشار الدكتور العيسى إلى أن المؤتمر يناقش قضية محورية تتعلق بالتحول المعرفي الذي يشهده عالمنا، مستعرضاً التدرج التاريخي للثورات المعرفية بدءاً من القرن السادس عشر وصولاً إلى ثورة الذكاء الاصطناعي الحالية. وأوضح كيف أن هذه الثورة الأخيرة حولت الآلة من مجرد ذاكرة رقمية لتخزين المعرفة إلى كيان قادر على تحليل الأفكار وتوليدها. وشدد معاليه على ضرورة أن تكون هذه الثورة التكنولوجية مؤطرة بوصف أخلاقي موحد، ينبع من المشترك الإنساني الذي يجمع البشرية كافة، لضمان أن تخدم هذه التقنية تقدم الإنسان لا أن تكون أداة ضده.
نحو ميثاق أخلاقي عالمي للتكنولوجيا
قدم الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي رؤية شاملة لضبط مسار الذكاء الاصطناعي، مؤكداً على أهمية تحديد قيم متفق عليها عالمياً قبل الشروع في بناء أنظمة الذكاء الاصطناعي وتغذيتها بالبيانات، خاصة تلك المتعلقة بالمعتقدات الدينية أو الأعراق أو الثقافات. وحذر من مغبة تحول هذه التقنية إلى أداة سلبية تروج لمفاهيم الكراهية والعنصرية أو تدعم نظريات الصدام والصراع الحضاري. ودعا إلى إلزام الشركات المطورة بالشفافية والمساءلة، ووضع حدود صارمة في المجالات الحساسة والخطرة، مع التأكيد على أن القرار النهائي في القضايا المصيرية يجب أن يظل بشرياً بامتياز. وأبرز العيسى الفارق الجوهري بين الإنسان والآلة؛ فالإنسان كائن حر في تفكيره، بينما الآلة، مهما بلغت من تطور، تظل مرتبطة بإرادة من يغذيها بالبيانات، فهي لا تملك وعياً ولا إرادة حقيقية. واختتم بالتأكيد على أن مستقبلنا الحضاري مع الذكاء الاصطناعي مرتبط بنا وبقيمنا، وليس بالذكاء الاصطناعي لذاته.


