تواجه المنطقة تحولات متسارعة تضع السياسة الإيرانية وحلفاءها أمام اختبارات مصيرية غير مسبوقة. ومع تصاعد حدة التوترات العسكرية، يبرز التساؤل الأهم في الأوساط السياسية: هل يتكرر الطلاق الاستراتيجي الإيراني في لبنان بعد أن تجلى بوضوح في قطاع غزة؟ تدير طهران حالياً خيوط اللعبة الإقليمية عبر توازن دقيق ومثير للجدل يجمع بين الصمت الميداني الحذر والضجيج الدبلوماسي المستمر، مما يثير قلقاً عميقاً لدى الأطراف المحلية والإقليمية حول حقيقة الالتزامات الإيرانية تجاه ما يُعرف بـ “محور المقاومة”.
جذور البراغماتية الإيرانية وسياقها التاريخي
لفهم طبيعة التحركات الحالية، يجب العودة إلى السياق التاريخي للسياسة الخارجية الإيرانية القائمة على البراغماتية المطلقة وحماية أمن النظام في طهران كأولوية قصوى تتقدم على أي اعتبارات عقائدية أو تحالفات إقليمية. على مدى عقود، وظفت إيران القضية الفلسطينية والساحة اللبنانية كأوراق ضغط استراتيجية لتحسين شروط تفاوضها مع الغرب، وتحديداً في ملفها النووي. وفي مايو 2021، برز هذا التوظيف جلياً عندما استخدمت طهران القدرات الصاروخية لقطاع غزة كأداة ضغط بالتزامن مع انطلاق مفاوضات فيينا لإعادة إحياء الاتفاق النووي. ومع ذلك، فإن هذه العلاقة لطالما كانت محكومة بحدود واضحة؛ حيث تتجنب طهران الانخراط المباشر في أي مواجهة عسكرية قد تهدد استقرارها الداخلي أو تعرض بنيتها العسكرية للخطر المباشر.
سيناريو غزة كنموذج لـ الطلاق الاستراتيجي الإيراني
جاءت أحداث أكتوبر 2023 لتشكل لحظة الحقيقة التي كشفت الحدود الفعلية لشعار “وحدة الساحات”. فبينما واجهت غزة حرباً تدميرية غير مسبوقة هددت وجودها الجغرافي والديمغرافي، انكفأت طهران سريعاً خلف حساباتها الخاصة. وفي نوفمبر 2023، أبلغت القيادة الإيرانية وفد الفصائل الفلسطينية صراحة بأنها لن تدخل الحرب مباشرة نيابة عن أحد، نظراً لعدم إبلاغها بتوقيت العملية مسبقاً. هذا الموقف أسس لمرحلة جديدة من الطلاق الاستراتيجي الإيراني غير المعلن، حيث تُرجم الدعم الميداني في شكل عمليات إسناد منضبطة ومحسوبة بدقة من جانب حلفائها، دون تجاوز قواعد الاشتباك التقليدية التي تحمي المصالح الإيرانية الحيوية.
الساحة اللبنانية تحت مجهر التفاهمات الدولية الكبرى
اليوم، يسير المشهد اللبناني على السكة ذاتها وبذات الآليات الممنهجة، مما يضع بنود الاتفاق الأخير لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل تحت مجهر التساؤلات الكبرى. إن منح تل أبيب “حرية الحركة العسكرية” لمواجهة الخروقات يُقرأ كمؤشر واضح على حدود التراجع الذي قد تقبله طهران لتمرير ترتيبات ميدانية قاسية، بانتظار نضوج ظروف التفاوض مع واشنطن، خاصة مع وجود رئيس أمريكا حالياً دونالد ترامب في البيت الأبيض، والذي يتبنى سياسة الضغط الأقصى. محلياً، يضع هذا السلوك الدولة اللبنانية ومؤسساتها في موقف حرج للغاية، حيث يجد لبنان نفسه رهينة للتوقيت الإيراني وصراعات النفوذ الإقليمية. أما إقليمياً ودولياً، فإن تكرار سيناريو التخلي في لبنان سيؤدي حتماً إلى إعادة تشكيل الخارطة السياسية للشرق الأوسط، حيث ستفقد إيران أهم أوراق قوتها الإقليمية، مما قد يمهد الطريق لترتيبات أمنية جديدة تقودها القوى الدولية والإقليمية بعيداً عن الهيمنة الإيرانية.
سقوط وهم الشراكة الوجودية ومستقبل المنطقة
تتجلى الخطورة الصامتة في الفجوة العميقة بين الفصائل التي بنت خياراتها العقائدية على فرضية “الشراكة الوجودية” والمصير المشترك، وبين نظام في طهران يدير أزماته بعقلية “الوظيفة والتوظيف”. لقد بات واضحاً أن التضحيات الجسيمة لحلفاء إيران تُعامل في لحظات المقايضة الكبرى كمجرد أوراق تفاوضية لرفع العقوبات وحماية الملف النووي. ورغم أن الاتفاق اللبناني لم يدخل بعد طور الاختبار الحقيقي لقياس مدى صموده، ورغم أن طهران لم تجلس بعد على طاولة مفاوضات مباشرة وحاسمة مع إدارة ترامب، إلا أن السياق العام يشير إلى أن حلفاء إيران في بيروت قد يواجهون ذات المصير الذي واجهته غزة، ليتحول الوهم العقائدي إلى حقيقة جيوسياسية قاسية تؤكد أن أمن طهران يعلو دائماً فوق مصالح الجميع.


