لم تنتهِ بعد فصول التوتر التي تجتاح الشرق الأوسط، حيث يستمر مسلسل التنمر الإيراني في زعزعة استقرار المنطقة بأكملها، من الصراع المشتعل على الحدود اللبنانية، إلى التهديدات المستمرة للممرات الملاحية الدولية التي تُعد شريان حياة للاقتصاد العالمي. فالهجمات التي تشنها طهران وأذرعها بالصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة، بذريعة الرد على ضربات خارجية، لا تؤدي إلا إلى إشعال حلقة مفرغة من العنف، تضع دول الخليج في حالة تأهب قصوى وتستنزف مواردها في استعدادات دفاعية مكلفة تهدد مسيرة التنمية الاقتصادية.
جذور التوتر: عقود من سياسة الهيمنة الإقليمية
لفهم أبعاد الأزمة الحالية، لا بد من العودة إلى جذور السياسة الخارجية الإيرانية التي تبلورت بعد عام 1979، والتي قامت على مبدأ “تصدير الثورة” وتوسيع النفوذ الأيديولوجي. على مدى العقود الماضية، عملت طهران بشكل ممنهج على بناء شبكة من الميليشيات والجماعات المسلحة الموالية لها في دول مثل لبنان (حزب الله)، واليمن (الحوثيون)، والعراق وسوريا. هذه الأذرع العسكرية لا تعمل فقط على تنفيذ أجندة إيران الخارجية، بل تسمح لها بخوض “حروب بالوكالة” وتجنب المواجهة المباشرة، مما يعقد المشهد الجيوسياسي ويجعل من الصعب تحقيق أي استقرار دائم في هذه الدول التي تعاني أصلاً من الهشاشة السياسية والانقسامات الداخلية.
تداعيات التنمر الإيراني: من زعزعة الاستقرار إلى تهديد الاقتصاد العالمي
إن تداعيات هذه السياسات العدوانية لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد لتضرب عمق الاقتصاد والأمن المجتمعي لدول الجوار. ففي لبنان، يرزح البلد تحت وطأة انهيار اقتصادي غير مسبوق، بينما يجرّه حزب الله إلى مواجهات عسكرية لا طائل منها. وفي الخليج، لا تزال دول المنطقة تتذكر الهجمات التي استهدفت منشآتها النفطية الحيوية، والتي كشفت عن مدى استعداد طهران لتهديد أمن الطاقة العالمي لتحقيق مكاسب سياسية. هذا السلوك المتهور لا يهدد الاقتصادات الخليجية فحسب، بل يرفع من تكاليف التأمين على الشحن البحري ويخلق حالة من عدم اليقين في الأسواق العالمية، مما يؤثر على المستهلكين في كل مكان.
البرنامج النووي والمستقبل الغامض
يبقى البرنامج النووي الإيراني هو مكمن القلق الأكبر للمجتمع الدولي ودول المنطقة على حد سواء. إن إصرار طهران على المضي قدماً في تخصيب اليورانيوم بمستويات تقربها من حافة امتلاك سلاح نووي، يمثل تهديداً وجودياً للأمن الإقليمي. وقد حذرت دول كبرى في المنطقة، مثل المملكة العربية السعودية، مراراً من أن امتلاك إيران للقنبلة النووية قد يدفع المنطقة إلى سباق تسلح خطير، مما يقوض كل جهود السلام والتنمية. لذا، فإن أي حل مستقبلي للأزمة يجب أن يتضمن فرض قيود صارمة ودائمة على طموحات طهران النووية، مع آليات تحقق ومراقبة دولية لا تقبل الجدل.
في نهاية المطاف، الطريق الوحيد نحو استتباب الأمن والسلام في المنطقة والعالم يمر عبر بوابة واحدة: تخلي إيران عن سياساتها العدوانية. يجب على طهران أن ترضخ للشروط الدولية والأممية، وأن تتعهد بشكل واضح بوقف الاعتداءات على دول الخليج، والتخلي عن دعم الميليشيات التي تزعزع استقرار المنطقة، ووقف برنامجها النووي المثير للجدل. عندها فقط، يمكن للقيادة الإيرانية أن تتفرغ لإعادة بناء ما دمرته الحروب والعقوبات، ورسم مستقبل جديد لشعبها خالٍ من أحلام الهيمنة والعدوان.


