بعد فترة من الهدوء الحذر دامت قرابة ستين يومًا، عاد التوتر ليخيم على منطقة الشرق الأوسط مجددًا، حيث دخل التصعيد بين إيران وإسرائيل مرحلة خطيرة ومباشرة. فجر اليوم (الاثنين)، تجددت المواجهات العسكرية بين الخصمين اللدودين، مما يعيد الأمور إلى المربع الأول ويهدد بنسف المسار الدبلوماسي الهش الذي ترعاه أطراف دولية، ويضع آمال التوصل إلى اتفاق ينهي الصراع الأوسع في المنطقة أمام اختبار هو الأصعب.
جاءت هذه التطورات المقلقة بعد ساعات قليلة من دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإسرائيل بالامتناع عن الرد وتجنب التصعيد مع طهران، في محاولة لكبح جماح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. إلا أن سلسلة من الانفجارات دوت في القدس المحتلة، بالتزامن مع إعلان الجيش الإسرائيلي عن اعتراضه لموجة جديدة من الصواريخ الإيرانية.
جذور الصراع: من حرب الظل إلى المواجهة المباشرة
لم يكن هذا التصعيد وليد اللحظة، بل هو تتويج لعقود من العداء المستحكم وحرب الظل التي خاضها الطرفان عبر وكلاء وفي ساحات متعددة. تاريخيًا، اعتمدت المواجهة على عمليات سرية، هجمات سيبرانية، واستهدافات متبادلة في دول ثالثة مثل سوريا. لكن الأحداث الأخيرة تمثل تحولًا نوعيًا من الصراع غير المباشر إلى المواجهة العسكرية المعلنة، وهو ما يرفع منسوب الخطر بشكل غير مسبوق. لطالما اتهمت إسرائيل إيران بالسعي لتطوير أسلحة نووية واستخدام وكلائها، مثل حزب الله في لبنان، لتهديد أمنها، بينما ترى طهران في إسرائيل امتدادًا للنفوذ الغربي وأداة لزعزعة استقرار المنطقة.
تفاصيل المواجهة الأخيرة والتصعيد بين إيران وإسرائيل
في بيان له، أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه استهدف قاعدتي نيفاتيم الجوية في الجنوب وتل نوف في الوسط، مؤكدًا أن الهجوم جاء ردًا على ضربات إسرائيلية استهدفت مواقع رادار حساسة داخل إيران. من جانبه، أقر الجيش الإسرائيلي بتنفيذ ضربات على أهداف وصفها بالعسكرية ومجمعات للبتروكيماويات. ونقل الصحفي باراك رافيد من موقع “أكسيوس” عن الرئيس ترامب قوله: “سأتصل ببيبي (نتنياهو) الآن لأطلب منه عدم الرد”، مضيفًا: “لقد نفذت إسرائيل ضربتها وإيران نفذت ضربتها، ولسنا بحاجة إلى ضربات أخرى”. وفي مقابلة منفصلة مع شبكة “فوكس نيوز”، أكد ترامب أنه يقترح على إيران العودة إلى طاولة المفاوضات لإبرام اتفاق شامل.
تداعيات إقليمية ومخاوف دولية
على الصعيد الدولي، علت الأصوات الداعية إلى التهدئة. مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، دعت إلى ضبط النفس، مؤكدة أن المنطقة لا تحتمل المزيد من التصعيد. في المقابل، ربطت طهران أي اتفاق دائم لوقف إطلاق النار بضرورة شموله للبنان، في إشارة إلى الجبهة المشتعلة مع حزب الله. يأتي هذا في وقت كانت فيه إسرائيل قد شنت غارات على الضاحية الجنوبية لبيروت لأول مرة منذ بدء الهدنة، مما استدعى ردًا صاروخيًا من إيران، وهو ما اعتبره رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، نتيجة “ضوء أخضر” أمريكي لإسرائيل. وسط هذه الأجواء المشحونة، تتواصل الجهود الدبلوماسية، حيث غادر وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي طهران فجر اليوم بعد نقل “رسالة خاصة” للقيادة الإيرانية، في محاولة أخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة.


