تتصاعد الأزمة الاقتصادية في إيران بشكل غير مسبوق منذ عام 1979، مدفوعة بانهيار متسارع للعملة المحلية وضغوط العقوبات الأمريكية الأخيرة، وسط مخاوف رسمية متزايدة من اندلاع احتجاجات شعبية نتيجة التدهور المعيشي الحاد.
تدهور قياسي للعملة والتدخل المصرفي
شهدت العملة الإيرانية تراجعاً متلاحقاً على مدار سنوات؛ فبعد أن كان الدولار يعادل نحو 65 ألف ريال قبل الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، تخطى حاجز المليون ريال في مارس 2025، ثم واصل صعوده ليبلغ نحو 2.2 مليون ريال عقب إعلان العقوبات الجديدة في أواخر أغسطس الماضي.
وفي محاولة لاحتواء هذا النزيف، ضخ البنك المركزي الإيراني مئات الملايين من الدولارات في السوق. وأعلن محافظ البنك استعدادهم لضخ ما يصل إلى ملياري دولار، مؤكداً امتلاك البلاد موارد كافية من العملات الأجنبية، رغم إقراره بصعوبة الظروف المعيشية.
مؤشرات التضخم وتراجع القوة الشرائية
انعكست الضغوط الاقتصادية مباشرة على حياة المواطنين، حيث بلغ متوسط التضخم السنوي نحو 69% في يونيو الماضي، وارتفعت أسعار المستهلكين بنسبة 89% خلال عام، في حين قفزت أسعار الغذاء والمشروبات بنسبة 128%.
وفي المقابل، ارتفعت أجور الموظفين الحكوميين بنحو 78% خلال عامين، لكن أسعار السلع الأساسية مثل الأرز والدجاج والبيض والزيت تضاعفت بمعدلات تفوق 300% في بعض الحالات، مما أدى إلى تراجع القوة الشرائية الفعلية للأجر الحكومي إلى النصف تقريباً. كما تراجعت التجارة الإيرانية بنسبة تتراوح بين 25 و35%، وأصبحت أزمة الوقود أكثر شيوعاً.
العقوبات الأمريكية وحصار مضيق هرمز
جاءت العقوبات الأمريكية الأخيرة تحت مسمى «عملية المنبوذ الاقتصادي» لتطال في مرحلتها الأولى نحو 60 فرداً وكياناً وسفينة مرتبطة بعائدات النفط، قبل أن تتوسع لتشمل قطاعات النفط، والشحن البحري، والبنوك، والتكنولوجيا، والذهب، والطيران، والأصول الرقمية، إلى جانب البرنامجين النووي والصاروخي. كما هددت واشنطن بفرض عقوبات ثانوية تعزل أي دولة أو شركة أو بنك يسهل التعاملات مع طهران عن النظام المالي الأمريكي.
وكانت إيران قد أغلقت مضيق هرمز قبل ستة أشهر، مراهنة على خنق الممر النفطي واحتجاز نحو خمس إمدادات النفط الخام العالمية لإجبار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إنهاء الحرب وفق شروطها، إلا أن هذه الحسابات لم تنجح.
ومنذ يوليو الماضي، نجح الحصار البحري الأمريكي في منع إيران من تصدير النفط عبر الخليج، بينما تمكنت واشنطن من مساعدة دول الخليج العربي على مواصلة نقل كميات كبيرة من نفطها عبر المضيق رغم الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة.
وقدرت شركة «تانكر تراكرز» أن نحو 5 ملايين برميل يومياً من النفط الخام، معظمها من خارج إيران، مرت عبر مضيق هرمز خلال الـ 28 يوماً السابقة، إضافة إلى نحو 2.5 مليون برميل عبر موانئ خليج عُمان، وهي كميات تمثل أكثر من 40% من تدفقات النفط بالمنطقة قبل الحرب. وقال سمير مدني، الشريك المؤسس للشركة، إن «الحصار الإيراني أكثر تسرباً من الحصار الأمريكي»، مضيفاً أن الإيرانيين غير قادرين على إغلاق المضيق بالكامل.
خيارات طهران والجاهزية الأمنية
تزامنت هذه الأزمات مع تراجع صادرات النفط وانكماش الناتج المحلي، مما دفع مراكز الرصد إلى تسجيل مؤشرات على قلق النظام من تحول الاحتقان المعيشي إلى موجة احتجاجات جديدة. وعززت السلطات استعداداتها الأمنية، حيث حذر رئيس القضاء من أن أجهزة الأمن والاستخبارات في أعلى درجات الجاهزية للتعامل بحزم مع أي اضطرابات، في وقت سبق للرئيس مسعود بزشكيان أن دعا فيه إلى مصارحة الشعب بحجم الأزمة.
وكان مسؤولون إيرانيون قد قدروا عند فرض الحصار الأمريكي قدرتهم على الصمود لنحو خمسة أشهر دون تداعيات اقتصادية كارثية، وهي المهلة التي تقترب الآن من نهايتها دون أن تؤدي الأزمة حتى الآن إلى انتفاضة شعبية ضد النظام.
وتقف القيادة الإيرانية حالياً أمام خيارين: التراجع وإعادة فتح المضيق، مما يعني فقدان أهم أوراق الضغط، أو التصعيد العسكري لمحاولة كسر الحصار. ويرى ولي نصر، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة جونز هوبكنز، أن التصعيد قد يكون الخيار الأكثر ترجيحاً لاعتقاد طهران أن زيادة الضغط العسكري ستسمح لها بالعودة إلى المفاوضات لاحقاً من موقع أفضل وبتقديم تنازلات أقل، رغم ما يحمله استمرار التصعيد من مخاطر كبيرة في ظل تآكل قدرتها الاقتصادية وتراجع فاعلية ورقة مضيق هرمز.


