يرى العديد من المحللين السياسيين أن الإدانات الدولية المتكررة للانتهاكات الإيرانية لأمن المنطقة والعالم أصبحت مجرد أداء روتيني لا يغير من الواقع شيئًا. فعلى الرغم من الخطابات القوية، تظل السياسة الإيرانية المزعزعة للاستقرار مستمرة في نهجها، مما يثير تساؤلات جدية حول فاعلية هذه الإدانات في ردع طهران أو دفعها لمراجعة حساباتها. فهذه المواقف، التي قد تبدو كأضعف الإيمان، لم تنجح في تحريك المنظمات الدولية لاتخاذ إجراءات حاسمة تمنع انزلاق المنطقة نحو المزيد من الفوضى وزعزعة أمنها.
جذور التوتر: عقود من الصراع بالوكالة
لفهم المشهد الحالي، لا بد من العودة إلى جذور التوتر التي تمتد لعقود. فمنذ الثورة الإسلامية عام 1979، تبنت إيران سياسة خارجية قائمة على توسيع نفوذها عبر إنشاء ودعم شبكة من الوكلاء في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، من حزب الله في لبنان إلى الحوثيين في اليمن، بالإضافة إلى ميليشيات أخرى في العراق وسوريا. وقد أدت هذه الاستراتيجية إلى تأجيج الصراعات الطائفية والسياسية، وخلقت حالة من عدم الاستقرار الدائم، حيث تخوض إيران حروبًا بالوكالة ضد خصومها الإقليميين والدوليين، مما يجعل أي حلول سلمية بعيدة المنال ويهدد بشكل مستمر أمن جيرانها.
تداعيات السياسة الإيرانية المزعزعة للاستقرار اليوم
تتجلى اليوم الآثار المباشرة لهذه السياسات في سلسلة من الأزمات التي تهدد الأمن الإقليمي والعالمي. فخلال الأشهر القليلة الماضية، شهدت المنطقة تصعيدًا خطيرًا تمثل في الهجمات على الملاحة البحرية في البحر الأحمر ومضيق هرمز، وهي شرايين حيوية للتجارة العالمية. هذه الهجمات، التي تنفذها أذرع إيران في المنطقة، لم تؤثر فقط على الاقتصادات العالمية، بل انعكست بشكل مباشر على أمن دول الخليج والأردن، التي تجد نفسها في مواجهة تداعيات صراع لا ناقة لها فيه ولا جمل. إن استمرار عمليات التهريب والقرصنة والهجرة غير الشرعية هو نتيجة مباشرة لضعف هيبة القانون الدولي وفشل الجهود الرامية لإحلال السلام.
ما وراء الخطاب السياسي
يشير بعض المراقبين إلى أن هناك ما هو أبعد من مجرد الإدانة الشكلية. فالبعض يلمح إلى وجود مباركة ضمنية من قوى دولية معينة لما يجري، انطلاقًا من مبدأ “إدارة الصراع” بدلاً من حله. هذا النهج يسمح باستنساخ الأعداء وتوجيه الصراعات بما يخدم مصالح تلك القوى، حتى لو كان الثمن هو إضعاف استقرار المنطقة بأكملها. ويبدو أن الحسابات السياسية المعقدة تدفع نحو المفاضلة بين “الشرير” و”الأقل شراً”، مما يطيل أمد الأزمات ويشجع الأطراف المتمردة على التمادي في انتهاكاتها، في ظل غياب أي رادع حقيقي.
في الختام، لم يعد خافيًا أن الحلول الشكلية والإدانات اللفظية لن تغير من واقع الحال شيئًا. إن استمرار الفوضى يتطلب وقفة جادة ومراجعة شاملة للاستراتيجيات المتبعة. فبدون معالجة جذرية لأسباب المشكلة، وقطع دابر من يقف وراء زعزعة الأمن والاستقرار، ستظل المنطقة تدور في حلقة مفرغة من العنف والأزمات، وستبقى الجهود المبذولة لإحلال السلام مجرد محاولات فاشلة.


