في تطور لافت يعيد خلط الأوراق الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وجهت طهران أصابع الاتهام مباشرة إلى واشنطن في حادثة أمنية جديدة، حيث صرح رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، محمد إسلامي، بأن الولايات المتحدة الأمريكية عاودت استهداف منشأة نطنز النووية يوم الأحد الماضي. وأشار المسؤول الإيراني إلى أن العملية لم تكن مجرد تخريب سيبراني معتاد، بل تمت عبر هجوم جوي نُفذ على مرحلتين، مما يمثل تصعيداً خطيراً في حدة التوتر القائم حول البرنامج النووي الإيراني والاتهامات المتبادلة بين طهران والقوى الغربية.
رسالة احتجاج رسمية ومطالبة بكسر الصمت الدولي
في رد فعل دبلوماسي فوري، أوضح إسلامي في رسالة رسمية وجهها إلى رافائيل غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، يوم الاثنين، موقف بلاده الرافض لهذه العمليات العسكرية. وجاء في نص الرسالة التي عكست غضباً إيرانياً: "نحتج بشدة على الهجمات الوحشية المتكررة التي يشنها النظامان الأميركي والإسرائيلي ضد المنشآت النووية". وأكد المسؤول الإيراني أن هذه الهجمات لا تمثل فقط اعتداءً على السيادة الإيرانية، بل تعد انتهاكاً صارخاً لاتفاقيات جنيف، وللنظام الأساسي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بالإضافة إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية واتفاق الضمانات الشامل المبرم بين إيران والوكالة.
وطالب إسلامي الوكالة الدولية بضرورة الخروج عن حيادها السلبي، واصفاً موقفها الحالي بـ "حالة الصمت وعدم التحرك"، مشدداً على ضرورة إدانة هذه الإجراءات التي تخالف القوانين الدولية والقيام بالواجبات المنصوص عليها في النظام الأساسي للوكالة لحماية المنشآت الخاضعة لرقابتها من أي عدوان خارجي.
الأهمية الاستراتيجية لـ منشأة نطنز النووية وتاريخ الاستهدافات
لا يمكن قراءة هذا الحدث بمعزل عن الأهمية القصوى التي تمثلها منشأة نطنز النووية في المشروع الإيراني. تقع هذه المنشأة في محافظة أصفهان وسط البلاد، وتُعد العصب الرئيسي لبرنامج تخصيب اليورانيوم، حيث تضم آلاف أجهزة الطرد المركزي من أجيال مختلفة. ونظراً لحساسيتها، قامت إيران على مدار السنوات الماضية بتحصين أجزاء كبيرة منها وبناء قاعات تحت الأرض لحمايتها من الضربات الجوية المحتملة، وهو ما يجعل الحديث عن "هجوم جوي" أمراً بالغ الخطورة والدلالة.
تاريخياً، كانت نطنز مسرحاً لعدة حوادث تخريبية وهجمات سيبرانية معقدة، أبرزها هجوم فيروس "ستاكس نت" (Stuxnet) الشهير في عام 2010 الذي تسبب في تعطل أجهزة الطرد المركزي بشكل واسع. تلا ذلك حادثة الانفجار في ورشة تجميع أجهزة الطرد المركزي في يوليو 2020، وحادثة انقطاع التيار الكهربائي الغامض في أبريل 2021 التي وصفتها طهران بـ "الإرهاب النووي". هذه السلسلة من الأحداث تضع المنشأة دائماً في قلب الصراع الخفي والمعلن بين إيران وخصومها الدوليين والإقليميين.
تداعيات الاتهام المباشر على المشهد الجيوسياسي
يكتسب الحديث عن قصف منشأة نطنز النووية وتوجيه اتهام مباشر للولايات المتحدة أهمية استراتيجية بالغة تتجاوز الحدود الجغرافية لإيران. فمن الناحية الأمنية، يشير هذا الاتهام إلى احتمال توسع دائرة الصراع لتشمل مواجهات مباشرة بدلاً من "حروب الظل" التي كانت تقتصر غالباً على الهجمات السيبرانية أو العمليات الاستخباراتية المنسوبة لإسرائيل.
إقليمياً، تثير هذه التطورات قلق دول الجوار والمجتمع الدولي بشأن سلامة المنشآت النووية واحتمالية حدوث تسرب إشعاعي نتيجة الأعمال العسكرية، فضلاً عن تأثير ذلك على أسواق الطاقة والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط. كما أن تكرار الهجمات قد يدفع طهران لتعزيز تحصيناتها أو تسريع وتيرة برنامجها النووي كأداة ردع، مما يعقد الجهود الدبلوماسية الرامية لإحياء الاتفاق النووي أو التوصل إلى تفاهمات جديدة تضمن سلمية البرنامج الإيراني.


