في ظل التطورات السياسية المتسارعة على الساحة الدولية، عاد الحديث بقوة عن مستقبل الاتفاق النووي مع إيران، حيث وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الاتفاق المرتقب بأنه سيكون أفضل بكثير من سابقه. وأكد ترمب أنه يعمل على صياغة تفاهمات تفوق ما تم التوصل إليه خلال إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، موجهاً اتهامات للديمقراطيين بالسعي للإضرار بموقف واشنطن الحازم تجاه طهران. وفي هذا السياق الحساس، برز موقف حاسم من الوكالة الدولية للطاقة الذرية يضع النقاط على الحروف بشأن أي تسويات مستقبلية.
الجذور التاريخية لمسار الاتفاق النووي مع إيران
لفهم المشهد الحالي، يجب العودة إلى عام 2015 عندما تم توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة، والتي عُرفت إعلامياً باسم الاتفاق النووي مع إيران. هذا الاتفاق التاريخي بين طهران ومجموعة (5+1) كان يهدف إلى تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات الاقتصادية الدولية. ومع ذلك، شهد هذا المسار منعطفاً خطيراً بانسحاب الولايات المتحدة أحادي الجانب منه في عام 2018، مما أدى إلى استئناف طهران لعمليات تخصيب اليورانيوم بنسب مرتفعة تتجاوز الحدود المسموح بها. هذا السياق التاريخي يفسر إصرار الإدارة الأمريكية الحالية على صياغة اتفاق جديد يسد الثغرات السابقة ويضمن عدم امتلاك طهران لسلاح نووي بأي شكل من الأشكال.
تحذيرات الوكالة الأممية: غياب الرقابة يفرغ الاتفاق من مضمونه
في خضم هذه التحركات، شدد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، على أن أي تفاهم بين إدارة ترمب وطهران دون إشراك الوكالة الأممية سيكون بمثابة “وهم”. وفي مقابلة مع صحيفة «تلغراف» البريطانية، أوضح غروسي أن أي اتفاق يفتقر إلى آليات التحقق الصارمة لا قيمة له، مضيفاً: “بدون تحقق، أي اتفاق ليس اتفاقاً؛ إنه وهم باتفاق أو مجرد وعد لا يُعرف ما إذا كان سيتم الالتزام به أم لا”. وأكد أن الوكالة هي الجهة الوحيدة التي تمتلك المعرفة الدقيقة بالمنشآت الإيرانية، وهي القادرة على ضمان الشفافية الكاملة وتصديق تنفيذ أي التزامات، متوقعاً أن يشمل أي اتفاق قادم التزاماً إيرانياً بتخفيف تخصيب اليورانيوم وشحن الكميات المتبقية إلى دولة ثالثة، مع التحذير من مخاطر السلامة في المنشآت التي تعرضت للقصف.
التداعيات الإقليمية والدولية ومخاوف الانتشار النووي
تكتسب هذه التطورات أهمية قصوى نظراً لتأثيرها المباشر على الأمن والسلم الدوليين. إقليمياً، يثير البرنامج النووي الإيراني قلقاً واسعاً، مما يجعل الوصول إلى اتفاق صارم ضرورة لضمان استقرار الشرق الأوسط وتجنب سباق تسلح إقليمي. وعلى الصعيد الدولي، حذر غروسي من خطورة تجدد النقاش حول امتلاك الأسلحة النووية في دول مثل بولندا، وكوريا الجنوبية، واليابان، معتبراً أن ذلك قد يضع العالم في “وضع هش للغاية”. كما أعرب عن قلق الوكالة من النمو المتسارع للبرنامج النووي الصيني، واستمرار التهديد المتزايد الذي تمثله كوريا الشمالية بتوسيع برنامجها السري، مما يضاعف من أهمية الحفاظ على نظام منع الانتشار النووي العالمي.
تطورات الملف السوري والتوترات البحرية المتصاعدة
على صعيد آخر، تطرق غروسي إلى دور الوكالة في سورية، مشيراً إلى تراجع المخاوف السابقة. وقال: “نعمل على إزالة سورية من قائمة المخاوف المحتملة”، مشيداً بتعاون الرئيس السوري أحمد الشرع، وذلك بعد العثور سابقاً من قبل مفتشي الأمم المتحدة على مواد نووية تعود لبرنامج غير معلن يُشتبه أن النظام السابق كان يسعى لتطويره. وأضاف أن المخاوف الرئيسية اختفت، مع استمرار الحوار للتحقق من بعض المؤشرات المتبقية.
بالتوازي مع هذه التطورات الدبلوماسية، تشهد الساحة توترات بحرية ملحوظة. فقد نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤول عسكري أمريكي أن طاقم السفينة الإيرانية المحتجزة سيعود إلى طهران قريباً. وفي هذا السياق، صرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال مباحثات مع نظيره الباكستاني محمد إسحاق دار، بأن التهديدات الأمريكية والاعتداءات على السفن التجارية الإيرانية تعرقل المسار الدبلوماسي، مؤكداً أن طهران ستتخذ قراراتها بشأن متابعة المسار الدبلوماسي مع الأخذ في الاعتبار جميع هذه المعطيات الميدانية.


