حذر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، من اقتراب العالم من الانزلاق إلى “مواجهة عالمية” في ظل تراجع دور المؤسسات الدولية وصعود نظام متعدد الأقطاب، مؤكداً أن مجلس الأمن بات مشلولاً عملياً بسبب الخلافات بين القوى العظمى.
تراجع نفوذ القوى الكبرى والمنظمة الدولية
وأوضح غوتيريش أن التطورات الأخيرة في أوكرانيا والشرق الأوسط كشفت أن قدرة القوى الكبرى على فرض إرادتها أصبحت “محدودة للغاية”، مشيراً في هذا الصدد إلى الحرب الروسية في أوكرانيا والمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.
واعتبر أن العالم يمر بمرحلة انتقال من الهيمنة الأمريكية بعد الحرب الباردة إلى نظام متعدد الأقطاب. وحذر من أن هذا التحول قد يقود إلى مزيد من المنافسة والمواجهة إذا لم تتكيف المؤسسات الدولية مع موازين القوى الجديدة، مؤكداً أن الوقت قد حان لكي تدرك القوى العظمى حدود قدرتها بعد تغير وزن الدول وتأثيرها.
وانتقد الأمين العام عجز مجلس الأمن عن التعامل مع الأزمات الكبرى، واصفاً إياه بأنه أصبح “مشلولاً عملياً” جراء الخلافات بين الولايات المتحدة وروسيا، العضوين الدائمين اللذين يمتلكان حق النقض (الفيتو). وأشار إلى أن هذا الجمود تسبب في تراجع نفوذ الأمم المتحدة وخلق شعور متزايد بـ”الإفلات من العقاب”، خصوصاً في أزمات مثل أوكرانيا وغزة والسودان.
ورغم إقراره بدفع المنظمة الدولية إلى الهامش في عدة نزاعات، فقد نفى التخلي عن جهود الوساطة، واصفاً إياها بالغة الصعوبة وذات نتائج محدودة، ومؤكداً: “لكننا لا نستسلم”.
وفي السياق ذاته، رفض غوتيريش فكرة أن “مجلس السلام” الذي أنشأه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يمكن أن يحل محل مجلس الأمن الدولي أو ينافس الأمم المتحدة، لافتاً إلى عدم إحرازه تقدماً حاسماً في غزة. وأضاف أن على الآخرين القلق بشأن أدائهم وليس الأمم المتحدة، في إشارة إلى الانتقادات الموجهة للمنظمة.
ضغوط مالية وإصلاحات حتمية
وتطرق غوتيريش إلى الأزمة المالية التي تواجهها الأمم المتحدة، مبيناً أن المتأخرات بلغت نحو 4 مليارات دولار. وأوضح أنه تم تخفيض عدد الوظائف في ميزانية عام 2026 بنسبة 22%، كما تراجع عدد قوات حفظ السلام بنحو 25% خلال العام الماضي، مؤكداً أن المنظمة لم تنهار رغم الضغوط لكنها اضطرت لتقليص قدراتها والتكيف مع الواقع المالي الجديد.
ودعا الأمين العام إلى إعادة النظر في تركيبة مجلس الأمن، معتبراً وجود ثلاث دول أوروبية بين القوى الخمس دائمة العضوية “أمراً غير قابل للاستمرار” في ظل التغيرات التي طرأت على موازين القوى العالمية. وشدد على أن إصلاح المجلس سيكون صعباً، لكن “الواقع على الأرض سيفرض نفسه في نهاية المطاف” وسيجبر المجلس على التكيف مع الوزن النسبي للقوى المختلفة.
واختتم غوتيريش بالتحذير من أن تجاهل هذه التحولات قد يقود إلى سيناريو مشابه لأوروبا قبل الحرب العالمية الأولى، حين أدى تعدد مراكز القوة في غياب مؤسسات فعالة لإدارة التنافس إلى اندلاع الحرب.


