في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، بدءاً من الصراع في أوكرانيا ووصولاً إلى المواجهة الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية وتوترات مضيق هرمز، يشهد العالم تحولاً استراتيجياً عميقاً. لقد بدأ عصر “اقتصادات السلام” في التلاشي ليحل محله مفهوم “اقتصادات الردع”، مدفوعاً بـ سباق تسلح عالمي متسارع يعيد تعريف أولويات الدول ويغير ملامح الخارطة الدولية. هذا التحول لم يعد مجرد نظرية، بل حقيقة تعكسها الأرقام، حيث تجاوز الإنفاق الدفاعي العالمي حاجز 2.4 تريليون دولار، مؤكداً أن الصناعة العسكرية لم تعد مجرد أداة أمنية، بل تحولت إلى رافد اقتصادي واستراتيجي متكامل.
من الحرب الباردة إلى الردع الذكي
يعيد المشهد الحالي إلى الأذهان حقبة الحرب الباردة، لكن مع اختلافات جوهرية. لم يعد السباق مقتصراً على الترسانات النووية والجيوش الجرارة، بل انتقل إلى ساحة التكنولوجيا المتقدمة. فالتفوق اليوم لا يقاس بعدد الدبابات أو الجنود، بل بالقدرة على امتلاك وتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي، والأسلحة فرط الصوتية، وتقنيات التخفي والتشويش الإلكتروني، وأنظمة الدفاع الجوي متعددة الطبقات. الصراعات الحديثة في الشرق الأوسط وأوروبا أثبتت أن الطائرات المسيّرة وأنظمة مكافحتها أصبحت من أهم ميادين التنافس العسكري، مما دفع الدول إلى إعادة تقييم عقائدها العسكرية والاستثمار بكثافة في البحث والتطوير.
اقتصادات الردع: عندما يصبح الدفاع محركاً للنمو
أوضح خبراء استراتيجيون أن مفهوم الأمن القومي يخضع لإعادة تعريف جذرية. لم يعد التسلح خياراً، بل ضرورة حتمية في ظل عالم متغير. هذا الواقع دفع دولاً كبرى، مثل اليابان، إلى اتخاذ قرارات تاريخية برفع الحظر المفروض على تصدير الأسلحة الفتاكة لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، في خطوة تعكس التحولات الجذرية في البيئة الجيوسياسية. وأصبح قطاع الدفاع محركاً للنمو الاقتصادي، حيث يساهم في توفير وظائف عالية المهارة، وتحفيز الابتكار الذي تمتد آثاره إلى القطاعات المدنية كالفضاء والطيران والاتصالات، وتأمين سلاسل الإمداد المحلية.
تحالفات جديدة في عصر سباق التسلح التكنولوجي
لم تعد التحالفات الدولية قائمة فقط على المصالح السياسية التقليدية، بل باتت الشراكات الدفاعية والتكنولوجية هي الأساس. وأكد المستشار الاستراتيجي الدكتور محمد عمر مالك أن الدول تبحث اليوم عن صيغ تعاون جديدة تقوم على نقل المعرفة والتصنيع المشترك بدلاً من الاكتفاء بشراء السلاح. هذا التوجه يخلق شبكات تحالف مرنة ومتعددة المستويات تتقاطع فيها المصالح الدفاعية مع الاقتصادية والتكنولوجية. ومن المتوقع بروز تحالفات جديدة في مناطق حيوية كالشرق الأوسط، ترتكز على نقل التقنية والتصنيع المشترك لتعزيز الاكتفاء الذاتي وتحقيق الردع المشترك.
تحديات التوازن بين الأمن والاستدامة
يرى المستثمر في قطاع الدفاع والفضاء، عبدالله المليحي، أن العالم يدخل مرحلة يتداخل فيها الأمن مع الاقتصاد بشكل غير مسبوق. فالتوترات الإقليمية تدفع الدول نحو إعادة تقييم سياساتها الدفاعية والتوجه نحو الاكتفاء الذاتي عبر تطوير الصناعات المحلية. ورغم أن سوق السلاح العالمي الذي يتجاوز 600 مليار دولار سنوياً يمثل فرصة اقتصادية، إلا أن النمو المدفوع بالحروب يحقق مكاسب قصيرة الأجل لكنه يخلّف اختلالات اقتصادية طويلة المدى. ويخلص المختصون إلى أن التحدي الأكبر الذي يواجه العالم اليوم هو تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الأمن الملحة وضرورة الحفاظ على الاستدامة الاقتصادية، لتجنب تداعيات قد تؤثر على استقرار الاقتصاد العالمي على المدى الطويل.


