أعرب وزير الدفاع الإستوني، هانو بيفكور، عن ثقته المطلقة بشأن مستقبل حلف الناتو، مؤكداً أن التحالف العسكري الغربي لن ينهار رغم التحديات الراهنة. وفي ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، شدد بيفكور على أن بلاده لا يساورها أي شك في أن الولايات المتحدة الأمريكية ستقف إلى جانب حلفائها وستساعد في الدفاع عن إستونيا في حال شنت روسيا هجوماً عليها. ومع ذلك، وجه تحذيراً صريحاً بأن القارة الأوروبية ليست مستعدة في الوقت الحالي لمواجهة موسكو بمفردها، مما يستدعي تعزيز التعاون المشترك وتوحيد الجهود العسكرية.
وفي مقابلة صحفية أجراها مع وكالة «رويترز» خلال زيارته إلى العاصمة الليتوانية فيلنيوس، جدد بيفكور تأكيده على متانة العلاقات عبر الأطلسي. وقال بوضوح: «نعم، أنا أثق بالولايات المتحدة، ونعم، أنا أثق بجميع حلفائنا». ولفت الوزير الإستوني الانتباه إلى حقيقة استراتيجية متبادلة، وهي أن واشنطن تحتاج إلى حلفائها في أوروبا من أجل تعزيز قدرات جيشها ونفوذها العالمي، تماماً كما تحتاج أوروبا إلى المظلة الأمنية الأمريكية. هذا الاعتماد المتبادل يمثل حجر الزاوية الذي يمنع انهيار التحالف ويضمن استمراريته.
السياق التاريخي وتطور التحالف وأثره على مستقبل حلف الناتو
لفهم أبعاد هذه التصريحات، يجب النظر إلى السياق التاريخي لتأسيس حلف شمال الأطلسي عام 1949. تأسس الحلف في بداية الحرب الباردة بهدف رئيسي وهو ردع التوسع السوفيتي في أوروبا وتوفير مظلة أمنية جماعية للدول الأعضاء. على مر العقود، تطور الحلف وتوسع ليضم دولاً من أوروبا الشرقية، بما في ذلك إستونيا التي انضمت رسمياً في عام 2004. هذا التوسع كان بمثابة رسالة قوية تؤكد التزام الغرب بحماية الديمقراطيات الناشئة. واليوم، يلعب هذا الإرث التاريخي دوراً حاسماً في تشكيل مستقبل حلف الناتو، حيث تعود التهديدات التقليدية للظهور، مما يفرض على الدول الأعضاء إعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية وتحديث ترساناتها العسكرية لمواكبة التحديات المعاصرة.
تحديات الإنفاق الدفاعي والمطالب الأمريكية
تطرق بيفكور إلى مسألة الإنفاق الدفاعي، متسائلاً عما إذا كانت الدول الأعضاء قد وصلت إلى مستوى الجاهزية المطلوب، ليجيب بالنفي القاطع، مشدداً على ضرورة أن يستثمر الجميع داخل الحلف بشكل أكبر في قطاع الدفاع. وأشار إلى أن العديد من أعضاء الحلف لا يلتزمون بالضغوط والمطالب التي رفعها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى ما لا يقل عن 5% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي المقابل، تبرز إستونيا كنموذج يحتذى به، حيث من المقرر أن تنفق 5.1% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع هذا العام، وهو من بين أعلى المعدلات داخل الحلف. يُذكر أن ترمب كان قد لوح سابقاً بفكرة الانسحاب من الحلف ونجح في الضغط على الحلفاء الأوروبيين لتحمل عبء مالي أكبر.
التأثير الإقليمي والدولي للتوترات الراهنة
تحمل التطورات الحالية تأثيراً بالغ الأهمية على الساحتين الإقليمية والدولية. فقد اعتبر وزير الدفاع الإستوني أنه يتعين على الناتو التركيز على المساعدة في إنهاء الصراع الدائر في إيران، مبيناً أن تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط قد يتيح للولايات المتحدة إعادة توجيه تركيزها ومواردها نحو دعم أوكرانيا في مواجهة روسيا. هذا الترابط بين الجبهات المختلفة يبرز كيف أن أي صراع إقليمي يمكن أن يلقي بظلاله على الأمن الدولي بأسره. وقد تعمق الخلاف عبر الأطلسي خلال ولاية ترمب الثانية، خاصة بعد رفض الحلفاء الأوروبيين لطلبه بالمساعدة في الحفاظ على مرور آمن لحركة نقل النفط عبر مضيق هرمز، مما يعكس تبايناً في الأولويات الاستراتيجية بين ضفتي الأطلسي.
المادة الخامسة من ميثاق الناتو وحدود التطبيق
أثار طلب واشنطن من الناتو المشاركة في العمليات العسكرية ضد إيران تساؤلات قانونية واستراتيجية عميقة بشأن المادة (5) من ميثاق الحلف. تنص هذه المادة المحورية على مبدأ الدفاع الجماعي، حيث يُعتبر «الهجوم على أحد الأعضاء هجوماً على الجميع». تاريخياً، لم يتم تفعيل هذه المادة سوى مرة واحدة فقط، وذلك في أعقاب هجمات 11 سبتمبر الإرهابية على الولايات المتحدة. وأسفر ذلك التفعيل عن مشاركة دولية واسعة في الحرب بأفغانستان، حيث لقي أكثر من 1100 جندي من خارج القوات الأمريكية مصرعهم، من بينهم 457 جندياً بريطانيا. ومع ذلك، فإن الخبراء يؤكدون أن هذه المادة تنطبق حصراً في حال تعرض إحدى الدول الأعضاء لهجوم مباشر، وبالتالي لا يمكن تطبيقها قانونياً على الصراع في إيران، والذي بدأ بضربات جوية مشتركة أمريكية-إسرائيلية في 28 فبراير الماضي. هذا التمييز الدقيق يضمن عدم انزلاق الحلف بأكمله في صراعات هجومية خارج نطاق تفويضه الدفاعي الأساسي.


