كشفت أحدث التقارير الصادرة عن جمعية الوداد لرعاية الأيتام عن أرقام استثنائية تعكس تطوراً مذهلاً في منظومة احتضان الأطفال الأيتام من فاقدي الرعاية الوالدية في المملكة العربية السعودية. وفي تصريحات خصت بها صحيفة «عكاظ»، أوضحت الجمعية نتائج مشروع إسناد الاحتضان الذي حقق مؤشرات لافتة، لعل أبرزها وصول عدد الأسر المتنافسة على كفالة طفل يتيم واحد إلى نحو 28 أسرة، مما يبرز تنامي الوعي المجتمعي والرغبة الصادقة في توفير بيئات أسرية دافئة ومستقرة.
التحول التاريخي من الرعاية المؤسسية إلى الأسرية
تاريخياً، كانت رعاية الأيتام ومجهولي الأبوين تعتمد بشكل كبير على الدور الإيوائية والمؤسسات الاجتماعية. ورغم الجهود الكبيرة التي بُذلت في تلك الحقبة لتوفير الاحتياجات الأساسية، إلا أن الدراسات النفسية والاجتماعية الحديثة أثبتت أن التنشئة داخل أسرة طبيعية توفر للطفل استقراراً عاطفياً ونفسياً لا يمكن مضاهاته. ومن هذا المنطلق، شهدت المملكة تحولاً استراتيجياً نحو تشجيع نظام الأسر الكافلة، وهو ما يتوافق مع مبادئ الشريعة الإسلامية السمحاء التي حثت على كفالة اليتيم. وقد نجحت جمعية الوداد في تحقيق نسبة 100% في الارتباط بالمحرمية الشرعية عبر اشتراط إرضاع الطفل عند الاحتضان، مما يضمن اندماجاً كاملاً للطفل داخل أسرته الجديدة دون أي عوائق شرعية أو اجتماعية مستقبلاً.
تسريع إجراءات احتضان الأطفال الأيتام بكفاءة عالية
لم يقتصر نجاح المشروع على زيادة أعداد الراغبين في الكفالة، بل امتد ليشمل كفاءة العمليات التشغيلية. فقد أسهم المشروع في تقليص مدة استلام الطفل من جهات الرعاية من 13 يوماً إلى 3 أيام عمل فقط. كما تم تقليص مدة إسناد الطفل لأسرة محتضنة من 125 يوماً إلى 19 يوم عمل. هذا التطور السريع يعكس احترافية عالية في الإجراءات وسرعة في تمكين الأسر المؤهلة من احتضان الأطفال الأيتام دون تعقيدات بيروقراطية، مما يصب في مصلحة الطفل أولاً.
الأثر الاجتماعي والاقتصادي محلياً وإقليمياً
على الصعيد المحلي، أسهم هذا المشروع الرائد في حل 94% من المشكلات الأسرية والنفسية التي تواجه الأسر العقيمة، مانحاً إياهم فرصة عيش تجربة الأمومة والأبوة وبناء أسر متماسكة. اقتصادياً، وفرت هذه المبادرة أكثر من 500 مليون ريال سعودي كانت ستُصرف على رعاية هؤلاء الأطفال في الدور الإيوائية، ليتم إعادة توجيهها في مسارات تنموية أخرى. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن هذه التجربة تضع المملكة كنموذج رائد يُحتذى به في العالم العربي والإسلامي في مجال الرعاية البديلة، متماشية مع الاتفاقيات الدولية لحقوق الطفل التي تشدد على حق كل طفل في العيش ضمن بيئة أسرية آمنة.
تكامل مؤسسي يواكب مستهدفات رؤية 2030
لضمان استدامة هذا النجاح، أوضح الرئيس التنفيذي لجمعية الوداد لرعاية الأيتام، الدكتور ضيف الله بن أحمد النعمي، أن مشروع إسناد الاحتضان يقوم على تكامل استراتيجي للأدوار بين وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية والجمعية. تتولى الوزارة مهام الإشراف، الرقابة، متابعة الأداء، ووضع التشريعات والتنظيمات. في المقابل، تعمل الجمعية على بناء الأدلة والسياسات لضمان الحوكمة والشفافية، وتطوير العمليات التشغيلية، واستقطاب الكفاءات المتخصصة.
وأكد النعمي أن هذه المؤشرات الإيجابية تعكس نجاح التجربة السعودية في توفير بيئة أسرية آمنة ومستقرة للأطفال. كما تبرز هذه الجهود التزام المملكة بتمكين القطاع غير الربحي وتعظيم أثره التنموي والاجتماعي، وهو ما ينسجم تماماً مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي تسعى لبناء مجتمع حيوي ومتكافل. ولضمان جودة الرعاية، نفذت الجمعية 1645 زيارة ميدانية لمتابعة الأسر المحتضنة في مختلف مناطق المملكة، مما يؤكد على الرعاية المستمرة والاهتمام البالغ بمستقبل هؤلاء الأطفال.


