تسيطر حالة من الترقب والغموض الشديدين على المشهدين الإقليمي والدولي فيما يخص مصير المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، علي خامنئي. يأتي ذلك في أعقاب تصريحات حادة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تزامنت مع تقارير إعلامية عبرية تلمح إلى احتمالية مقتله، وسط ردود فعل إيرانية رسمية اتسمت بالارتباك واستخدام عبارات زادت من حدة الشكوك بدلاً من دحضها.
وفي تفاصيل الرواية الإسرائيلية، نقلت القناة 12 عن مصادر أمنية تقديرات تشير إلى أن خامنئي قد لا يكون على قيد الحياة. وأوضحت المصادر أن الغارة الجوية الأخيرة التي استهدفت العاصمة طهران تميزت بدقة متناهية واستندت إلى معلومات استخباراتية نوعية، حيث طالت اجتماعاً سرياً ضم ما يقارب 30 مسؤولاً إيرانياً رفيع المستوى، يُعتقد أن المرشد كان بينهم.
تصريحات عراقجي تزيد الموقف تعقيداً
في المقابل، حاولت طهران احتواء الموقف عبر نفي هذه الأنباء، إلا أن تصريح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لقناة NBC الأمريكية أحدث مفعولاً عكسياً. فقد صرح عراقجي قائلاً إن خامنئي «على قيد الحياة على حد علمي». هذه الصياغة الدبلوماسية غير القاطعة اعتبرها المراقبون مؤشراً خطيراً على وجود خلل في قنوات الاتصال داخل هرم السلطة، أو محاولة لكسب الوقت في ظل فوضى محتملة.
ولمحاولة ترميم الصورة، بثت وسائل إعلام إيرانية رسائل تطمينية تزعم أن المرشد «متواجد في غرفة العمليات ويقود المعركة»، في محاولة لإظهار تماسك الجبهة الداخلية وتكذيب الرواية الإسرائيلية التي تتحدث عن توجيه ضربة قاصمة لرأس النظام.
الأدلة المادية: دمار في مجمع القيادة
لم تقتصر الحرب النفسية على التصريحات المتبادلة، بل عززتها أدلة مادية ملموسة. فقد نشرت شركة «إيرباص» صوراً التقطتها الأقمار الاصطناعية صباح السبت لسماء طهران، تظهر بوضوح دماراً واسعاً في جزء من مجمع القيادة الإيرانية، وتحديداً في الموقع الذي يضم مكتب المرشد الأعلى.

وتُظهر الصور مبانٍ متفحمة وتصاعداً لأعمدة الدخان، وهو ما يتطابق مع مقاطع فيديو تم تداولها من قلب العاصمة الإيرانية توثق آثار انفجارات عنيفة في هذه المنطقة المحصنة أمنياً.
الخلفية التاريخية: مركزية منصب المرشد
لفهم حجم الزلزال السياسي الذي قد يحدثه غياب خامنئي، لا بد من العودة إلى طبيعة النظام السياسي في إيران. يتولى علي خامنئي منصب المرشد الأعلى منذ عام 1989 خلفاً لمؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني. وبموجب مبدأ «ولاية الفقيه»، يتمتع المرشد بصلاحيات مطلقة تفوق صلاحيات رئيس الجمهورية، حيث يعتبر القائد العام للقوات المسلحة، والمشرف المباشر على الحرس الثوري، وصاحب الكلمة الفصل في السياسات الخارجية والملف النووي. وبالتالي، فإن استهدافه لا يعد مجرد عملية اغتيال سياسي، بل ضربة في صميم عقيدة النظام وهيكليته.
التداعيات الإقليمية والدولية المحتملة
إن صحّت الرواية الإسرائيلية، فإن المنطقة قد تكون أمام منعطف تاريخي خطير. غياب خامنئي قد يؤدي إلى فراغ كبير في السلطة، مما يفتح الباب أمام صراع أجنحة داخل النظام الإيراني حول خلافته، وهي عملية معقدة يتولاها «مجلس خبراء القيادة». إقليمياً، قد يؤثر غيابه بشكل مباشر على تماسك ما يسمى بـ«محور المقاومة»، الذي يضم فصائل مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، والتي تعتمد بشكل كبير على التوجيه الأيديولوجي والدعم المالي والعسكري المباشر من مكتب المرشد.
اختراق استخباراتي غير مسبوق
من الزاوية العسكرية، يشير نجاح مثل هذه العملية -إن تأكدت- إلى اختراق استخباراتي إسرائيلي عميق وغير مسبوق للدوائر الأكثر سرية في طهران. وأكد مسؤول عسكري إسرائيلي أن العملية استندت إلى «فرصة تكتيكية» نادرة وتخطيط استمر لأشهر، مما يعكس انكشافاً أمنياً خطيراً للنظام الإيراني.
ويبقى المشهد مفتوحاً على كافة الاحتمالات، فبينما تحتفل إسرائيل بما تصفه بـ«قطع رأس الأفعى»، تحاول إيران الحفاظ على تماسكها، بانتظار دليل قاطع يظهر المرشد علنياً أو إعلان رسمي يقلب موازين القوى في الشرق الأوسط.


