حرائق أوروبا تجبر مئات الآلاف على النزوح وسط خسائر بالمليارات
في مشهد وصفه مسؤولون بأنه “تسونامي ناري”، تجتاح موجة من حرائق أوروبا المدمرة كلاً من إسبانيا وفرنسا، مما تسبب في عمليات إجلاء جماعية هي الأضخم منذ عقود، مخلفةً وراءها خسائر بشرية واقتصادية فادحة. وتأتي هذه الكارثة البيئية في ظل موجة حر قياسية تضرب القارة، حيث يؤدي الجفاف الشديد والرياح القوية إلى تفاقم الوضع وجعل مهمة فرق الإطفاء شبه مستحيلة، في معركة وُصفت بأنها “معركة كسر عظم”.
لم تعد حرائق الغابات حدثاً صيفياً عادياً في منطقة حوض البحر المتوسط، بل تحولت إلى ظاهرة أكثر تكراراً وشراسة. يحذر العلماء منذ سنوات من أن التغير المناخي يزيد من حدة وطول موجات الحر، مما يخلق ظروفاً مثالية لاندلاع “الحرائق الضخمة” التي يصعب السيطرة عليها. ما تشهده القارة اليوم ليس مجرد صيف حار، بل هو انعكاس لواقع مناخي جديد بات يهدد الأمن البيئي والاقتصادي والغذائي لدول الاتحاد الأوروبي بأكملها، حيث امتد موسم الحرائق ليبدأ مبكراً وينتهي في وقت متأخر من كل عام.
إسبانيا وفرنسا في قلب العاصفة النارية
في إسبانيا، دفعت الحرائق المشتعلة خارج نطاق السيطرة حول العاصمة مدريد وفي مقاطعة أفيلا، الحكومة إلى إعلان حالة الطوارئ الوطنية لأول مرة بسبب الحرائق. وأكدت وزارة الداخلية الإسبانية إجلاء أكثر من 70 ألف شخص، بينما طُلب من سكان قرى أخرى البقاء في منازلهم بسبب سحب الدخان الكثيف التي غطت سماء غرب العاصمة. وقد التهمت النيران منذ مطلع العام أكثر من 168 ألف هكتار، وهو رقم مرشح للزيادة، مع تقديرات أولية تشير إلى أن الخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة قد تتراوح بين مليار وثلاثة مليارات يورو، مع تأثر قطاعات حيوية كالزراعة والسياحة والطاقة.
أما في فرنسا، فقد وصف وزير الداخلية لوران نونيز شهر يوليو بأنه الأسوأ على الإطلاق منذ بدء تسجيل البيانات عام 2006. أتت النيران على ما يقرب من 98 ألف هكتار، وتم إجلاء نحو 200 ألف شخص، من بينهم 167 ألفاً في منطقة جيروند وحدها. وفي عملية إجلاء معقدة، تم إخلاء شبه جزيرة (كاب فيريه) السياحية بالكامل، حيث نُقل 63 ألف شخص عبر القوارب. وأدت الكارثة إلى شلل جزئي في حركة النقل بعد إغلاق أجزاء من الطريق السريع A63 الذي يربط بوردو بشمال إسبانيا، وتعليق خدمات القطارات، مما زاد من حجم الخسائر التي تجاوزت بالفعل حاجز المليار يورو.
تداعيات اقتصادية وبيئية: ما هو تأثير حرائق أوروبا؟
لا تقتصر آثار حرائق أوروبا على الخسائر المادية المباشرة، بل تمتد لتشكل تهديداً طويل الأمد للاقتصاد الأوروبي. فالدمار الذي يلحق بالأراضي الزراعية والغابات يؤثر على سلاسل الإمداد الغذائي ويرفع تكاليف الإنتاج، بينما يؤدي تعطيل حركة النقل إلى خسائر في قطاعات التجارة والسياحة. علاوة على ذلك، تتسبب هذه الحرائق في إطلاق كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، مما يفاقم من ظاهرة الاحتباس الحراري ويدخل المنطقة في حلقة مفرغة من الكوارث المناخية. كما أن فقدان الغطاء النباتي يهدد التنوع البيولوجي ويزيد من مخاطر تآكل التربة والفيضانات في المستقبل.
استنفار أوروبي لمواجهة الكارثة
في مواجهة هذه الكارثة، استنفرت الدول الأوروبية كافة إمكانياتها. ففي فرنسا، تم الدفع بطائرات شحن عملاقة لإلقاء مواد مثبطة للنيران، بينما استدعت إسبانيا وحدات الطوارئ العسكرية للمساعدة في جهود الإطفاء. وعلى المستوى القاري، أرسل الاتحاد الأوروبي، عبر آلية الحماية المدنية، أربع طائرات إطفاء إلى إسبانيا وثلاث إلى فرنسا لدعم العمليات. ورغم التحسن الطفيف في الأحوال الجوية، حذرت السلطات من أن الأيام القادمة لا تزال تحمل تحديات كبيرة بسبب تقلب الرياح واحتمال اندماج حرائق متعددة، مما يهدد بمزيد من الخسائر في الأرواح والممتلكات.


