من هو الدكتور سعيد السريحي؟
لم يكن الراحل الدكتور سعيد مصلح السريحي مجرد رقم عابر في سجلات الثقافة العربية، بل كان «مثقفاً عضوياً» حقيقياً، لم يتخذ من الثقافة زينة ظاهرية، بل آمن إيماناً عميقاً بدورها الجوهري في تأصيل الهوية الوطنية والقومية، وتعزيز الانتماء، وانفتاح الوعي، والارتقاء بالذائقة العامة. لقد قضى السريحي أكثر من نصف قرن وهو ينحت بالكلمة في صخر التحديات، مبتسماً للعوائق والمنغصات التي كان يراها ضرورية لشحذ الهمم وتخليد المنجزات الثقافية.
الخلفية التاريخية والمسيرة الأكاديمية
على المستوى التاريخي والأكاديمي، عاش «أبو إقبال» حياة حافلة بالمعرفة والعطاء المستمر. انطلق من ميادين التعليم العام والأكاديمي ليؤسس قاعدة صلبة من الوعي لدى الأجيال المتعاقبة. ولم يكتفِ بقاعات الدرس، بل وسّع آفاق الصحافة الثقافية في المملكة العربية السعودية، حيث ارتبط اسمه بالعديد من المنابر الإعلامية التي جعل منها ساحات للحوار الفكري والنقدي. لقد كان صوتاً رائداً في حركة الحداثة الأدبية في المملكة، ودافع بشراسة عن التجديد في الأدب والشعر، مساهماً في نقل المشهد الثقافي إلى آفاق أرحب.
مواجهة التشدد وتأصيل المفاهيم الثقافية
في مرحلة مفصلية من تاريخ الثقافة السعودية، قارع الدكتور سعيد السريحي بصدر مكشوف التيارات المتشددة والظلاميين. لقد أسس لمنطلقات ومعايير نقدية حديثة لمصطلحات حيوية مثل «التنمية الثقافية» و«المأسسة الأدبية». هذا الموقف الشجاع لم يمر دون ثمن، لكنه أكسبه احتراماً وتقديراً واسعاً على مستويات عدة: رسمية وشعبية، محلية وإقليمية ودولية. لقد أدرك مبكراً أن الثقافة هي خط الدفاع الأول عن إنسانية الإنسان ومستقبل الأوطان، وأن التنوير هو السبيل الوحيد للتقدم.
إسهامات أدبية وفنية شاملة
فكرياً وأدبياً وفنياً، كان السريحي موسوعة تمشي على قدمين. لم يقتصر إبداعه على النقد الأكاديمي الصارم، بل كتب القصيدة الشعبية، وفن الكسرة الحجازي الأصيل، والزجل، والشعر الفصيح، وشعر التفعيلة، وصولاً إلى الرواية. وإلى جانب ذلك، امتلك عيناً ناقدة وبصيرة فنية مكنته من قراءة اللوحات التشكيلية الأحدث في انتمائها للمذاهب الفنية العالمية، مما جعله جسراً متيناً يربط بين الكلمة واللون، وبين التراث والمعاصرة.
التأثير المحلي والدولي ورحيله المؤلم
توج الدكتور سعيد السريحي مسيرته الطويلة بتولي رئاسة مجلس إدارة «جمعية الأدب المهنية» مؤخراً. وكان يحدوه حماس كبير وشغف لا ينضب بأن يحقق من خلال هذا المنصب الكثير من التطلعات والطموحات التي تخدم الأدباء والمثقفين، وتواكب النهضة الثقافية الشاملة. إلا أن للأقدار كلمتها التي لم تكن في الحسبان؛ فقد رحل «أبو إقبال» في شهر شعبان الماضي. وبعد رحيله، اكتشفت أسرته الصغيرة أن له أسرة ثقافية وإنسانية كبيرة تمتد عبر قارات العالم. لم يكن السريحي فقيد وطنه وأهله فحسب، بل كان فقيد الإنسانية جمعاء، وسيبقى تأثيره وإرثه الفكري مرجعاً للأجيال القادمة.


