غيب الموت، اليوم الأربعاء، المفكر والباحث المصري مختار نوح، القيادي السابق بجماعة الإخوان المسلمين وأحد أبرز الأصوات التي انشقت عنها، بعد مسيرة حافلة بالتحولات الفكرية والسياسية. وأعلنت الصفحة الرسمية للراحل عبر موقع “فيسبوك” خبر الوفاة، مشيرة إلى أن صلاة الجنازة ستقام عقب صلاة العصر بمسجد مصطفى محمود، على أن يوارى جثمانه الثرى في مقابر العائلة بمدينة السادس من أكتوبر.
ويُعد رحيل نوح بمثابة إسدال للستار على فصل مهم من تاريخ الحركات الإسلامية في مصر، حيث كان شاهداً وشريكاً في مراحل مفصلية من عمر جماعة الإخوان، قبل أن يتحول إلى واحد من أشد منتقديها، كاشفاً في كتاباته وتصريحاته الإعلامية الكثير من أسرار التنظيم وآليات عمله الداخلية.
رحلة طويلة من الانتماء إلى الانشقاق
لم تكن مسيرة مختار نوح بالهينة، فقد بدأت بانضمامه إلى جماعة الإخوان المسلمين في شبابه، وتدرج في صفوفها حتى أصبح واحداً من قياداتها البارزين ومحاميها المعتمدين في العديد من القضايا التي واجهت أعضاءها خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات. خلال تلك الفترة، كان نوح مدافعاً قوياً عن الجماعة وأفكارها، وخاض معارك قانونية وسياسية شرسة، مما أكسبه خبرة عميقة ببنية التنظيم الداخلية وشبكة علاقاته المعقدة.
إلا أن هذه العلاقة الوثيقة بدأت تشهد تحولات جذرية مع مرور الوقت. بدأت الخلافات الفكرية والتنظيمية تظهر بوضوح، حيث انتقد نوح ما اعتبره جموداً في الفكر، وهيمنة تيار معين على مفاصل القرار داخل الجماعة، فضلاً عن غموض موقفها من العنف والتطرف. هذه الانتقادات الداخلية، التي كانت حبيسة الجلسات المغلقة في البداية، سرعان ما خرجت إلى العلن، لتعلن عن بداية مرحلة جديدة في حياة الرجل، مرحلة الانشقاق والمراجعة النقدية الشاملة.
مواقف فاصلة في مسيرة مختار نوح
شكل إعلان مختار نوح انفصاله عن الجماعة حدثاً مدوياً في الأوساط السياسية والدينية في مصر. لم يكن مجرد عضو عادي يغادر التنظيم، بل كان قيادياً ومفكراً يمتلك رؤية من الداخل. بعد الانفصال، كرس نوح قلمه وجهده لكشف ما وصفه بـ”الانحرافات الفكرية والتنظيمية” للجماعة. أصدر العديد من الكتب والمقالات التي حلل فيها بنية الجماعة، وطبيعة قسم الولاء والطاعة، وكيفية تجنيد الأعضاء، والعلاقة الملتبسة بين العمل الدعوي والعمل السياسي السري.
أصبحت شهادته مصدراً مهماً للباحثين والإعلاميين لفهم العقلية التي تدير جماعة الإخوان. وخلال السنوات التي أعقبت عام 2011، برز نوح كصوت معارض قوي للجماعة خلال فترة وجودها في السلطة وما تلاها، محذراً من مشروعها السياسي وتأثيره على هوية الدولة المصرية، ومشاركاً بفاعلية في النقاشات العامة المتعلقة بقضايا التطرف والإرهاب، مستنداً إلى تجربته الطويلة كشاهد من قلب التنظيم.
إرث من الجدل وشهادة للتاريخ
يترك مختار نوح وراءه إرثاً من الجدل، فبينما يراه البعض بطلاً تجرأ على نقد جماعة نافذة وكشف أسرارها من أجل المصلحة الوطنية، يعتبره أنصار الجماعة “خائناً” انقلب على تاريخه. وبغض النظر عن تقييم مواقفه، فإن مسيرته تمثل ظاهرة فريدة في تاريخ الإسلام السياسي، وتطرح أسئلة عميقة حول إمكانية الإصلاح من داخل هذه التنظيمات، وحدود الطاعة والولاء، والعلاقة بين الدين والسياسة. برحيله، تفقد الساحة المصرية صوتاً مثيراً للجدل، لكنه كان بلا شك صوتاً مؤثراً قدم شهادة فريدة للتاريخ ستبقى محل دراسة ونقاش لسنوات قادمة.


