في العاصمة السعودية الرياض، أسدل الستار على مسيرة حافلة بالتحولات الجذرية، مع إعلان وفاة الرئيس اليمني السابق عبدربه منصور هادي، الرجل الذي ارتبط اسمه بأكثر المراحل حساسية في تاريخ اليمن الحديث. لم يكن هادي مجرد رئيس عابر، بل كان محوراً لأحداث جسام، حيث وجد نفسه في قلب عاصفة الانقلاب المسلح الذي أطاح بمؤسسات الدولة ودفع بالبلاد إلى أتون حرب أهلية مدمرة وأزمة إنسانية هي الأسوأ في العالم.
تولى هادي السلطة في فبراير 2012 كرئيس توافقي، نتاجاً للمبادرة الخليجية التي أنهت حكم الرئيس علي عبد الله صالح بعد ثورة شعبية عارمة. حملت رئاسته في البداية آمالاً كبيرة لدى اليمنيين بإمكانية تحقيق انتقال سياسي سلمي، وتوجت هذه الآمال بانعقاد مؤتمر الحوار الوطني الشامل، الذي كان يهدف إلى رسم ملامح يمن اتحادي جديد يقوم على العدالة والمواطنة المتساوية. لكن هذه الآمال سرعان ما تبددت مع اجتياح جماعة الحوثي المدعومة من إيران للعاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، وفرضها للإقامة الجبرية على الرئيس ومسؤولي حكومته.
من التوافق الوطني إلى مواجهة الانقلاب
شكلت لحظة خروج الرئيس هادي من الإقامة الجبرية في صنعاء ووصوله إلى عدن في فبراير 2015 نقطة تحول فارقة. من هناك، أعلن تراجعه عن الاستقالة التي أُجبر على تقديمها، مؤكداً استمرار شرعية الدولة اليمنية وواصفاً ما حدث في صنعاء بالانقلاب الكامل. هذه الخطوة أعادت ترتيب المشهد السياسي، حيث تحولت عدن إلى عاصمة مؤقتة، وبدأ هادي في حشد القوى السياسية والعسكرية المناهضة للمشروع الحوثي.
أمام الزحف العسكري للحوثيين وقوات صالح المتحالفة معهم نحو الجنوب، وجد الرئيس هادي نفسه أمام خيار مصيري. وفي مارس 2015، وجه طلباً رسمياً إلى دول مجلس التعاون الخليجي، بقيادة المملكة العربية السعودية، للتدخل العسكري لدعم الشرعية واستعادة الدولة. استجابت دول التحالف للطلب، مطلقة عملية “عاصفة الحزم”، التي غيرت مسار الصراع بشكل كامل وأدخلته في طور جديد من المواجهة الإقليمية والدولية، ليصبح اسم هادي رمزاً للشرعية المعترف بها دولياً في مواجهة الانقلاب.
مسيرة عبدربه منصور هادي ونقل السلطة
طوال سنوات الحرب، ظل عبدربه منصور هادي متمسكاً بخيار الدولة ورافضاً منح الانقلاب أي غطاء سياسي، رغم الضغوط الهائلة والانقسامات التي عصفت بالمعسكر المناهض للحوثيين. وفي أبريل 2022، اتخذ هادي قراره الأخير والأكثر تأثيراً في مسيرته السياسية، حين أعلن نقل كامل صلاحياته إلى مجلس القيادة الرئاسي برئاسة الدكتور رشاد العليمي. وصف المقربون منه هذه الخطوة بأنها تعبير عن قناعته الراسخة بأن بقاء الدولة ومؤسساتها أهم من بقاء الأشخاص في السلطة، وتهدف إلى توحيد الصف الجمهوري وفتح آفاق جديدة للسلام.
برحيل عبدربه منصور هادي، يطوي اليمن صفحة رئيس قاد البلاد في أحلك ظروفها، تاركاً خلفه إرثاً سياسياً سيظل محل نقاش وجدل طويل. فبينما يراه أنصاره “حارس الشرعية” الذي تصدى لمشروع طائفي مدمر، يرى فيه آخرون الرئيس الذي ارتبط عهده بالحرب والتدخل الخارجي. لكن المؤكد أن اسمه سيبقى محفوراً في ذاكرة اليمنيين كشخصية محورية في عقد من الزمن غيّر وجه اليمن إلى الأبد.


