في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار عالمياً إلى مسار التصعيد العسكري الأمريكي الإسرائيلي، تبرز حرب إيران كواحدة من أكثر السيناريوهات كلفة في التاريخ الحديث. فإلى جانب الأهداف العسكرية والاستراتيجية المعلنة، تتكشف تدريجياً أبعاد الكلفة الاقتصادية الباهظة لهذا الصراع، حيث تسجل الخزانة الأمريكية نزيفاً مالياً متسارعاً قد يغير معادلات الإنفاق الدفاعي في واشنطن لسنوات قادمة.
من حروب الظل إلى المواجهة المباشرة المكلفة
لفهم حجم هذه التكلفة، لا بد من النظر إلى السياق التاريخي للعلاقات المتوترة بين واشنطن وطهران. فعلى مدار عقود منذ عام 1979، اعتمد الطرفان غالباً على "حروب الظل" والوكلاء أو الهجمات السيبرانية والعقوبات الاقتصادية، وهي أدوات منخفضة التكلفة نسبياً مقارنة بالحرب الشاملة. إلا أن التحول نحو المواجهة العسكرية المباشرة واستخدام أصول استراتيجية ثقيلة يمثل قفزة نوعية في الفاتورة المالية، حيث تنتقل المعركة من المناوشات المحدودة إلى استنزاف يومي لموارد وزارة الدفاع الأمريكية.
فاتورة الترسانة المتطورة: أرقام فلكية
تشير تقديرات أولية نقلتها تقارير إعلامية، بما في ذلك ما نشرته صحيفة "ذي أتلانتيك"، إلى أن تكلفة العمليات العسكرية في حرب إيران تقترب من حاجز المليار دولار يومياً. هذا الرقم الضخم لا يغطي فقط ثمن القنابل والصواريخ، بل يشمل تكاليف تشغيل الأساطيل الجوية والبحرية والأنظمة الدفاعية المعقدة.
ووفقاً لبيانات وكالة الأناضول، أنفقت القوات الأمريكية نحو 779 مليون دولار خلال أول 24 ساعة فقط من بدء الهجوم، وهو ما يعادل 0.1% من ميزانية الدفاع المتوقعة لعام 2026. وقد شمل هذا الإنفاق استخدام أصول باهظة الثمن مثل:
- قاذفات الشبح B-2 التي حلقت من قاعدة وايتمان في ميزوري، بتكلفة تشغيل تصل إلى 150 ألف دولار للساعة.
- مقاتلات الجيل الخامس F-22 و F-35.
- صواريخ "ثاد" الاعتراضية التي يبلغ سعر الواحد منها نحو 12.8 مليون دولار.
تداعيات حرب إيران على الاستقرار الإقليمي والدولي
لا تتوقف الخسائر عند حدود الإنفاق العسكري المباشر؛ فالتأثير المتوقع لهذا الصراع يمتد ليضرب عصب الاقتصاد العالمي. نظراً للموقع الجيوسياسي الحساس لإيران وإشرافها على مضيق هرمز، فإن أي نزاع واسع النطاق يهدد سلاسل إمداد الطاقة العالمية، مما قد يؤدي إلى قفزات جنونية في أسعار النفط ومعدلات التضخم التي ستطال الأسواق الأمريكية والأوروبية والآسيوية على حد سواء، مما يضاعف الفاتورة الاقتصادية غير المباشرة للحرب.
حاملات الطائرات والمسيرات: مفارقة التكلفة
تشكل العمليات البحرية جزءاً كبيراً من هذا النزيف المالي. فبحسب تقارير دولية، تبلغ تكلفة تشغيل حاملتي طائرات في المنطقة نحو 13 مليون دولار يومياً. وعلى سبيل المثال، يكلف تشغيل حاملة الطائرات "يو إس إس جيرالد فورد" وحدها حوالي 11.4 مليون دولار يومياً.
وفي المقابل، ورغم أن الطائرات المسيّرة تُعد الخيار "الأرخص" (حيث تبلغ تكلفة المسيرة الانتحارية نحو 35 ألف دولار)، إلا أن كثافة استخدامها ترفع التكلفة الإجمالية؛ إذ قد يكلف استخدام سرب من 1250 مسيرة حوالي 43.8 مليون دولار، مما يثبت أنه لا يوجد خيار "رخيص" في الحروب الحديثة.
مقارنات وسيناريوهات المستقبل
تُظهر المقارنات أن حرب إيران الحالية تفوق في تكلفتها التقديرات السابقة لسيناريوهات محدودة. فبينما قدرت تكلفة عملية افتراضية لضرب المنشآت النووية (عملية "مطرقة منتصف الليل") بنحو 2.26 مليار دولار، بلغت تكلفة أول 100 ساعة في الصراع الحالي نحو 3.7 مليار دولار.
ويحذر خبراء اقتصاديون، مثل ليندسي كوشغاريان من معهد الدراسات السياسية، من أن التكلفة النهائية ستظل مجهولة وقد تتحول إلى "ثقب أسود"، مستشهدين بحرب العراق التي التهمت تريليونات الدولارات. ورغم ذلك، يجادل بعض المحللين في واشنطن بأن هذه التكاليف، مهما تعاظمت، تظل أقل من كلفة السماح بامتلاك سلاح نووي يهدد الأمن العالمي.


