مع حلول شهر رمضان المبارك، تتزايد التساؤلات الفقهية المتعلقة بالأحكام الطبية والعلاجية، ومن أكثر هذه الأسئلة شيوعاً ما يتعلق بزيارة طبيب الأسنان وإجراءات خلع الضرس أو تنظيف الأسنان أثناء الصيام. وفي هذا السياق، أعاد ناشطون ومهتمون بالشأن الديني تداول فتوى سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، مفتي عام المملكة العربية السعودية سابقاً -رحمه الله-، والتي توضح الحكم الشرعي الدقيق لهذه المسألة التي تؤرق الكثير من الصائمين.
تفاصيل الفتوى: هل خلع الضرس يفطر؟
أكد الشيخ ابن باز في فتواه الشهيرة أن قلع الضرس لا يبطل الصوم، وذلك إذا دعت الحاجة إليه ولم يكن بقصد التحايل على الفطر. وأوضح سماحته أن الإجراء الطبي بحد ذاته ليس من المفطرات، ولا يؤثر على صحة الصيام إذا تم خلع الضرس والإنسان صائم. ومع ذلك، وضع الشيخ شرطاً جوهرياً لضمان صحة الصوم، وهو ضرورة توقي دخول الدم إلى الجوف.
وشددت الفتوى على أن الصائم يجب عليه أن يجتهد في لفظ الدم والمضمضة الجيدة لضمان عدم تسرب أي شيء إلى المعدة. وفي حال غلب الدم الصائم ودخل إلى جوفه دون قصد أو تعمد منه، فإن صومه صحيح ولا قضاء عليه، وذلك عملاً بقاعدة "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها" ورفع الحرج عن الناسي والمخطئ.
التعمد والنسيان: الفارق الجوهري
فصل الشيخ ابن باز بين حالتين؛ الأولى هي الابتلاع غير المتعمد، حيث قال: "إذا ذهب شيء من غير عمد ولا قصد لا يضر الصوم". أما الحالة الثانية فهي التعمد، حيث أشار إلى أنه إذا تعمد الصائم ابتلاع الدم الناتج عن الخلع، فإن ذلك يبطل صومه ويجب عليه القضاء. ونصح الشيخ المريض بأن يجتهد ويحترز قدر الإمكان، فإذا غلبه شيء رغماً عنه فلا حرج عليه.
السياق العام وأهمية الفتوى
تكتسب هذه الفتوى أهمية كبرى نظراً لمكانة الشيخ ابن باز العلمية كأحد أبرز المرجعيات الفقهية في العالم الإسلامي في العصر الحديث. وتأتي هذه التوضيحات لترفع الحرج عن المرضى الذين قد يعانون من آلام حادة في الأسنان خلال نهار رمضان، ويترددون في الذهاب للطبيب خوفاً من فساد صومهم. وتنسحب هذه الفتوى منطقياً على استخدام إبر التخدير الموضعي في عيادة الأسنان، حيث أفتى العلماء (بمن فيهم ابن باز) بأنها لا تفطر لأنها ليست أكلاً ولا شرباً ولا في حكمهما، مما يسهل على المرضى تلقي العلاج اللازم دون تأخير قد يضر بصحتهم.
ويُنصح الصائمون الذين يضطرون لخلع الضرس في نهار رمضان بالحرص الشديد، والمبالغة في المضمضة بحذر لإخراج الدم، ويمكنهم تأجيل العلاج إلى الليل إذا كان الألم محتملاً لزيادة الاطمئنان، ولكن إذا دعت الضرورة فالرخصة الشرعية واضحة وميسرة.


