في تطور سياسي لافت، أثار الإعلان عن توقيع اتفاق إطاري مع إسرائيل ردود فعل متباينة على الساحة اللبنانية، كان أبرزها التحذير الذي أطلقه رئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري، من الانزلاق نحو «الفتنة» الداخلية. يأتي هذا التحذير كأول رد فعل رسمي بارز من أحد أركان الدولة اللبنانية، ليعكس حجم الانقسام العميق الذي يمكن أن يحدثه أي تقارب مع إسرائيل في بلد لا يزال يعيش حالة حرب رسمية معها.
وفي تصريح مقتضب، قال بري: «يا أهلي في لبنان كل لبنان إنها الفتنة! كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهر فيُركب ولا ضرع فيُحلب»، مستخدماً قولاً مأثوراً للإمام علي بن أبي طالب للدعوة إلى تجنب الخوض في صراع داخلي مدمر. يعكس هذا التصريح مخاوف حقيقية من أن يؤدي الاتفاق إلى تفجير التوازنات السياسية والطائفية الهشة في لبنان، خاصة في ظل وجود قوى وازنة، على رأسها حزب الله، ترفع لواء «المقاومة» وترفض أي شكل من أشكال التطبيع.
خلفيات تاريخية وصراع ممتد
تعود جذور الصراع بين لبنان وإسرائيل إلى عام 1948، وقد شهد فصولاً دامية أبرزها الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وحرب يوليو 2006. ورغم وجود قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 الذي أرسى قواعد وقف إطلاق النار بعد حرب 2006، بقيت الحدود الجنوبية منطقة توتر عالية. لذا، فإن أي حديث عن اتفاق، حتى لو كان «إطاراً» للمفاوضات، يُعتبر خطوة استثنائية تتجاوز مجرد الترتيبات الأمنية المؤقتة، وتمس جوهر عقيدة الدولة اللبنانية وعلاقاتها الخارجية، وهو ما يفسر حساسية الموقف.
تداعيات الاتفاق الإطاري مع إسرائيل على الداخل والمنطقة
على الرغم من المخاوف، يرى مؤيدو الاتفاق أنه قد يمثل فرصة تاريخية للبنان. فقد اعتبرت سفيرة لبنان في واشنطن، ندى حمادة معوّض، أن الاتفاق هو «خطوة أولى على طريق استعادة السيادة اللبنانية ووحدة الأراضي». وينص الاتفاق، بحسب مصادر لبنانية، على إعادة انتشار مرحلي للجيش اللبناني على كامل الأراضي، ونزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية، وهو ما يفسره البعض على أنه محاولة لترسيخ سلطة الدولة وحصرية السلاح بيدها، الأمر الذي يمثل مطلباً لقوى سياسية لبنانية ودولية عديدة.
من جهة أخرى، يرى الجانب الإسرائيلي في الاتفاق مكسباً استراتيجياً. فقد وصفه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأنه «ضربة كبيرة لإيران»، وصرح السفير الإسرائيلي في واشنطن بأن الاتفاق «يُخرج إيران وحزب الله من المعادلة». هذا التصريح يكشف عن البعد الإقليمي للخطوة، حيث تندرج في سياق الصراع الأوسع بين إسرائيل وحلفائها من جهة، وإيران ومحورها في المنطقة من جهة أخرى. وفي هذا السياق، رحب مسؤولون أمريكيون بالاتفاق، معتبرين أنه يمهد الطريق «لإطار من أجل سلام دائم وآمن»، مما يؤكد على الدور المحوري الذي لعبته واشنطن في رعاية هذه المحادثات التي استمرت لخمس جولات.
بنود رئيسية ومستقبل غامض
ينص الاتفاق الإطاري على أن تستعيد القوات المسلحة اللبنانية سلطتها في جميع أنحاء البلاد، مقابل انسحاب تدريجي للجيش الإسرائيلي. كما يؤكد على أن القوات الأمنية اللبنانية تتحمل المسؤولية الحصرية عن أمن البلاد، مع ضمان حق إسرائيل في الرد إذا تعرضت لهجوم من حزب الله. ويهدف هذا الإطار إلى تشكيل فرق عمل مشتركة لصياغة اتفاق سلام شامل. ومع ذلك، يبقى مستقبل هذا الاتفاق رهناً بالتوافقات الداخلية اللبنانية، وقدرة الحكومة على تسويقه وإقناع الأطراف الرافضة به، وهو التحدي الأكبر الذي يواجه لبنان في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخه.


