دمشق على مفترق طرق: بين المساءلة التاريخية والدبلوماسية الجديدة
في منعطف تاريخي تشهده العاصمة السورية، تتشابك خيوط الماضي مع تطلعات المستقبل، حيث انطلقت أولى جلسات محاكمة بشار الأسد غيابياً بالتزامن مع حراك دبلوماسي لافت تمثل في لقاء رئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع مع الزعيم اللبناني وليد جنبلاط. يعكس هذا المشهد المزدوج محاولة دمشق طي صفحة عقود من الاستبدال والصراع، عبر مسارين متوازيين: تحقيق العدالة الانتقالية لمحاسبة رموز النظام السابق، وإعادة بناء جسور الثقة مع الجوار الإقليمي تمهيداً لمرحلة جديدة.
يأتي هذا التحول الجذري بعد أكثر من عقد على اندلاع الثورة السورية في عام 2011، والتي تحولت إلى حرب مدمرة خلّفت مئات الآلاف من الضحايا وملايين النازحين واللاجئين، وأدت إلى دمار هائل في البنية التحتية وانقسام مجتمعي عميق. واليوم، تقف سوريا أمام تحدي إعادة بناء الدولة والمجتمع، وهي مهمة لا يمكن أن تكتمل دون مواجهة إرث الماضي الثقيل، حيث تمثل محاكمة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة حجر الزاوية في أي عملية مصالحة وطنية حقيقية ومستدامة.
بدء محاكمة بشار الأسد غيابياً: خطوة نحو المساءلة
تُعد هذه المحاكمات، التي تشمل إلى جانب بشار الأسد شقيقه ماهر والمسؤول الأمني السابق عاطف نجيب، حدثاً فارقاً في تاريخ سوريا الحديث. فبعد سنوات طويلة من الإفلات من العقاب، يجد السوريون أنفسهم أمام بداية مسار قضائي يهدف إلى تحقيق العدالة للضحايا. ورغم أن محاكمة أبرز المتهمين غيابياً تطرح تحديات قانونية تتعلق بتنفيذ الأحكام، إلا أن أهميتها الرمزية والسياسية لا يمكن إغفالها. إنها رسالة واضحة بأن عهد الحصانة قد ولى، وأن المساءلة مبدأ أساسي في سوريا الجديدة.
تكتسب هذه الخطوة أهمية مضاعفة على الصعيدين المحلي والدولي. فعلى المستوى المحلي، تمنح المحاكمات أملاً للضحايا وعائلاتهم في الاعتراف بمعاناتهم وتحقيق قدر من العدالة، مما قد يساهم في تخفيف حدة الاستقطاب وبدء عملية الشفاء المجتمعي. أما دولياً، فتمثل هذه الإجراءات اختباراً لمدى جدية السلطات الجديدة في إرساء مبادئ حقوق الإنسان وسيادة القانون، وهو ما سيؤثر بشكل مباشر على طبيعة علاقات المجتمع الدولي مع سوريا في المستقبل، بما في ذلك ملفات إعادة الإعمار ورفع العقوبات.
الانفتاح على لبنان: قراءة في دلالات لقاء الشرع وجنبلاط
بالتوازي مع المسار القضائي، يحمل لقاء أحمد الشرع ووليد جنبلاط دلالات سياسية عميقة تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي. فالعلاقة السورية اللبنانية كانت معقدة وشائكة على مدى عقود، وشهدت تدخلاً مباشراً من نظام الأسد في الشؤون الداخلية اللبنانية. ويمثل جنبلاط، بتاريخه السياسي المتقلب مع دمشق، طرفاً محورياً في المعادلة اللبنانية. لذا، فإن هذا اللقاء يهدف إلى إعادة صياغة العلاقات على أسس جديدة من الاحترام المتبادل والسيادة والمصالح المشتركة، وطي صفحة الماضي التي شملت اغتيالات سياسية وهيمنة أمنية.
إن هذا الانفتاح لا يقتصر على لبنان، بل هو جزء من رؤية أوسع لإعادة تموضع سوريا في محيطها العربي والإقليمي كدولة فاعلة ومستقرة، بعيداً عن سياسات المحاور التي انتهجها النظام السابق. تسعى دمشق اليوم إلى إرسال رسائل طمأنة لدول الجوار والمجتمع الدولي، مؤكدةً على أنها تتجه نحو بناء دولة مدنية حديثة تحترم مواطنيها وتلتزم بالقوانين الدولية، وهو ما يجعل التوازن بين إدارة ملفات العدالة الداخلية الشائكة ومتطلبات السياسة الخارجية أمراً في غاية الدقة والتعقيد.


