عاشت “عزيزة كوكو” عقوداً من الزمن تحلم باليوم الذي تطأ فيه قدماها أطهر البقاع في مكة المكرمة. بعد 30 عاماً من الكد والتعب في بيع الفطائر بإحدى بلدات ولاية كردفان السودانية، تحقق الحلم أخيراً. جاءت هذه الانفراجة الكبيرة بفضل برنامج ضيوف خادم الحرمين الشريفين، الذي طوى سنوات من دخان الموقد والمعاناة، ليمنحها فرصة أداء فريضة الحج وتأمين راحة لروحها المتعبة وسط ظروف قاسية وإمكانات مادية محدودة للغاية.
رحلة كفاح طويلة بين دخان الموقد وضيق الحال
على مدى عقود طويلة، كانت عزيزة تستيقظ فجر كل يوم لتوقد الحطب وتعد الفطائر البسيطة التي تبيعها لتوفير قوت يومها. كان دخلها اليومي لا يتجاوز دولاراً واحداً، وهو مبلغ بالكاد يكفي لتأمين الاحتياجات الأساسية لأسرتها في ظل ظروف اقتصادية صعبة. ورغم قسوة الواقع وضيق الحال، ظل حلم زيارة بيت الله الحرام يسكن قلبها وينبض بالأمل. ومع تقدمها في العمر، تعرض بصرها لضعف شديد نتيجة التعرض المستمر للدخان المتصاعد من حطب الموقد، مما اضطرها في النهاية إلى التوقف عن العمل. في تلك اللحظات القاسية، ظنت عزيزة أن حلم الحج قد تبخر وأصبح بعيد المنال، وأنها لن تتمكن أبداً من رؤية الكعبة المشرفة.
تاريخ وأهداف برنامج ضيوف خادم الحرمين الشريفين
لكن العناية الإلهية كانت تخبئ لعزيزة مفاجأة سارة أعادت لها الأمل. فقد جاءت استضافتها ضمن برنامج ضيوف خادم الحرمين الشريفين للحج والعمرة والزيارة، وهو برنامج تاريخي رائد يعكس حرص المملكة العربية السعودية المستمر على خدمة الإسلام والمسلمين في شتى بقاع الأرض. انطلق هذا البرنامج منذ سنوات عديدة بأمر ملكي كريم، ويهدف إلى استضافة آلاف المسلمين من مختلف قارات العالم لأداء المناسك على نفقة الدولة السعودية، وتوفير كافة سبل الراحة لهم. وقد تم اختيار عزيزة ضمن ذوي شهداء القوات السودانية الذين شاركوا بشجاعة في عملية “عاصفة الحزم”، تقديراً لتضحيات أبنائهم في الدفاع عن الشرعية وإرساء دعائم الأمن والاستقرار في المنطقة. هذا التكريم لم يكن مجرد رحلة عابرة، بل كان رسالة وفاء وتضامن عميقة من قيادة المملكة.
الأبعاد الإنسانية والتأثير الإقليمي والدولي للمبادرة
تحمل مثل هذه المبادرات الإنسانية أهمية كبرى وتأثيراً بالغاً يتجاوز الحدود الجغرافية ليلامس القلوب. فعلى المستوى الإقليمي والدولي، تسهم هذه الاستضافات الكريمة في تعزيز الروابط الأخوية المتينة بين المملكة العربية السعودية والدول العربية والإسلامية، وعلى رأسها جمهورية السودان التي ترتبط مع المملكة بعلاقات تاريخية وثيقة. إن تقديم الرعاية والاهتمام لأسر الشهداء يعكس التزام المملكة الراسخ بدورها القيادي والإنساني في العالم الإسلامي. كما يترك هذا البرنامج أثراً نفسياً واجتماعياً عميقاً في نفوس المستفيدين ومجتمعاتهم المحلية، مما يعزز من قيم التكافل والتلاحم بين شعوب المنطقة في مواجهة التحديات المشتركة، ويبرز الوجه الإنساني المشرق للسياسة السعودية.
دموع الفرح والامتنان في رحاب المسجد الحرام
تبدلت سنوات المعاناة والشقاء إلى فرحة غامرة بمجرد تلقي عزيزة خبر اختيارها لأداء الفريضة. وبصوت اختلطت فيه الدموع بمشاعر الفرح والامتنان العميق، تحدثت بعد وصولها إلى مكة المكرمة وأدائها مناسك الطواف والسعي قائلة: “كنت أظن أنني سأرحل عن هذه الدنيا قبل أن أرى الكعبة المشرفة، فظروفي المعيشية كانت في غاية الصعوبة، ولم أكن أستطيع حتى توفير تكاليف التنقل خارج ولاية كردفان، فكيف بتكاليف الحج والسفر والسكن باهظة الثمن!”. وأضافت بقلب يملؤه الشكر والإيمان: “عندما تم إبلاغي بالخبر السعيد، لم أتمالك نفسي من شدة الفرح، وحمدت الله كثيراً، ودعوت لخادم الحرمين الشريفين الذي حقق لي أعظم أمنية في حياتي”. وأشادت عزيزة بالرعاية الفائقة، وحسن الاستقبال، وكرم الضيافة، والتنظيم المتكامل الذي وجدته منذ لحظة وصولها إلى أراضي المملكة، مؤكدة أن هذه العناية الكريمة أدخلت السعادة والطمأنينة إلى قلبها بعد سنوات طويلة من الشقاء والتعب.


