في عالم تحكمه لغة المصالح والتنمية، يبدو أن منطق الدولة الحديثة، التي ترتكز على خدمة مواطنيها وتطوير بناها التحتية وتعزيز قدرات شعبها، لم يجد طريقه بعد إلى أروقة الحكم في طهران. فبدلاً من استثمار الموارد في العلوم والتقنية وخلق فرص معيشية كريمة، يواصل النظام الإيراني استنزاف ثروات بلاده في تمويل حرب الوكالة الإيرانية، وهي استراتيجية عبثية تغذيها أوهام استعادة إمبراطورية فارسية بائدة، معرضاً بذلك أمن المنطقة وشعبه للخطر.
جذور الاستراتيجية: من تصدير الثورة إلى شبكة الوكلاء
لم تكن سياسة التدخل عبر الوكلاء وليدة اللحظة، بل هي جزء لا يتجزأ من الأيديولوجية التي تأسس عليها النظام بعد ثورة 1979. فمبدأ “تصدير الثورة” لم يكن مجرد شعار، بل تحول إلى سياسة خارجية نشطة تهدف إلى توسيع نفوذ طهران الأيديولوجي والسياسي خارج حدودها. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، تم تأسيس فيلق القدس، الذراع الخارجية للحرس الثوري الإيراني، ليتولى مهمة بناء وتسليح وتمويل ميليشيات وجماعات مسلحة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، تعمل كأذرع عسكرية وسياسية تحقق أهداف إيران دون الحاجة إلى تدخل مباشر قد يكلفها الكثير.
هذه الشبكة المعقدة من الوكلاء، الممتدة من حزب الله في لبنان إلى الحوثيين في اليمن، مروراً بالميليشيات في العراق وسوريا، أصبحت الأداة الرئيسية لطهران في إدارة صراعاتها الإقليمية والدولية. فهي تسمح لها بخوض حروب بالوكالة، وإنكار تورطها المباشر، وزعزعة استقرار خصومها بتكلفة بشرية ومادية أقل نسبياً مقارنة بالحروب التقليدية، لكنها في المقابل تضع دولاً بأكملها على حافة الانهيار.
كلفة الطموحات: تداعيات حرب الوكالة الإيرانية
إن الإصرار على هذا النهج التوسعي لم يجلب سوى الدمار للمنطقة والمعاناة للشعب الإيراني نفسه. ففي الوقت الذي يعاني فيه الإيرانيون من أزمات اقتصادية خانقة وتضخم متصاعد وبطالة متفشية، تُنفق المليارات على دعم مغامرات عسكرية خارجية لا طائل منها. لقد أدت هذه السياسات إلى فرض عقوبات دولية مشددة عزلت إيران عن الاقتصاد العالمي وحرمت شعبها من فرص التنمية والازدهار. فالأموال التي كان يمكن أن توجه لبناء المستشفيات والجامعات وتطوير الصناعة، تذهب لتمويل صواريخ الحوثيين أو ترسانة حزب الله، مما يكرس صورة إيران كدولة مارقة بدلاً من كونها شريكاً فاعلاً في المجتمع الدولي.
إن دعوات التعقل والاحتكام إلى لغة المصالح المشتركة لا تزال تصطدم بجدار الأوهام الأيديولوجية. لن يتحقق السلام في الشرق الأوسط، ولن ينعم الشعب الإيراني بالأمن والتنمية، إلا بتخلي النظام عن أحلامه الإمبراطورية، وتفكيك شبكة وكلائه، والبدء في حوار حقيقي قائم على حسن الجوار والاحترام المتبادل لسيادة الدول. لقد حان الوقت أن يستمع صناع القرار في طهران لصوت شعبهم الذي يتوق إلى حياة طبيعية ومستقبل مشرق، بدلاً من التضحية بمقدراته على مذبح أضغاث أحلام شيطانية.


