في خطوة تكشف حجم الضغوط التي تتعرض لها، أصدرت جماعة الحوثي تعميمًا عاجلاً وتحذيرات مشددة للمواطنين في مناطق سيطرتها، تمنعهم من الاقتراب أو تصوير المواقع التي استهدفتها الغارات الجوية مؤخرًا. ويأتي هذا الإجراء الصارم وسط تأكيدات متعددة المصادر حول تكبد الجماعة خسائر كبيرة في العتاد والأرواح، حيث يرى مراقبون أن قرار الحوثيون يحظرون تصوير مواقع القصف هو محاولة يائسة لإخفاء حجم الأضرار الحقيقية التي لحقت بقدراتهم العسكرية، والسيطرة على السردية الإعلامية المحيطة بالضربات.
التعميم الحوثي، الذي تم تداوله عبر وسائل إعلام تابعة للجماعة، توعد باتخاذ “إجراءات قانونية” ضد كل من يخالف التعليمات، وهي لغة تهديد واضحة تهدف إلى بث الخوف في نفوس السكان المحليين ومنع أي توثيق مستقل قد يفضح حقيقة الخسائر. واعتبر حقوقيون يمنيون هذا القرار بمثابة تكتيك ممنهج لترهيب الشعب، وتهيئة المسرح لشن حملات اعتقال وتعذيب ضد المدنيين بتهم ملفقة، مثل مساعدة “العدوان” في تحديد الأهداف، وهو أسلوب دأبت عليه الجماعة كلما تعرضت لانتكاسات عسكرية.
سياق الضربات وتصاعد التوتر في البحر الأحمر
لفهم هذا القرار، يجب وضعه في سياق التوترات الإقليمية الأوسع. فمنذ بدء هجماتهم على سفن الشحن في البحر الأحمر ومضيق باب المندب في نوفمبر 2023، والتي تزعم الجماعة أنها تأتي نصرة لغزة، تحولت المنطقة إلى بؤرة توتر دولية. هذه الهجمات التي استهدفت أحد أهم الممرات الملاحية في العالم، دفعت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، بدعم من تحالف دولي، إلى شن سلسلة من الغارات الجوية الدقيقة على أهداف عسكرية حوثية في اليمن. استهدفت هذه الضربات منصات إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة، ومخازن أسلحة، ومراكز قيادة وسيطرة في محافظات صنعاء، والحديدة، وتعز، وغيرها. القرار الأخير بمنع التصوير هو انعكاس مباشر لفعالية هذه الضربات ونجاحها في إضعاف القدرات العسكرية للجماعة.
لماذا الحوثيون يحظرون تصوير مواقع القصف؟
لا يقتصر الهدف من هذا الحظر على إخفاء الخسائر المادية والبشرية فحسب، بل يمتد ليشمل أبعادًا دعائية ونفسية. تسعى جماعة الحوثي للحفاظ على صورة القوة والتحدي أمام أنصارها والرأي العام، وأي مشاهد لتدمير مواقعها العسكرية من شأنها أن تقوض هذه الصورة. كما أن توثيق هذه المواقع قد يكشف عن طبيعتها العسكرية وتموضعها في مناطق مدنية، مما يدحض رواية الجماعة بأن الضربات تستهدف المدنيين. علاوة على ذلك، يخشى الحوثيون من أن تساهم هذه الفيديوهات والصور في تحديد أهداف جديدة أكثر دقة لقوات التحالف. لذلك، فإن هذا الإجراء يمثل جدارًا ناريًا معلوماتيًا تفرضه الجماعة لحماية نفسها عسكريًا وإعلاميًا، ولو كان ذلك على حساب قمع حريات المواطنين وتعريضهم للخطر.


