في خطوة لافتة على الساحة الدبلوماسية الدولية، حصل المحامي النمساوي فولكر تورك على ولاية ثانية لمدة أربع سنوات كمفوض سامٍ لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، وذلك رغم المعارضة الصريحة من قوى كبرى كالولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل. جاء هذا التجديد بعد تصويت حاسم في الجمعية العامة للأمم المتحدة، مما يعكس انقساماً واضحاً في المواقف الدولية ولكنه يؤكد في الوقت ذاته على الدعم الواسع الذي يحظى به تورك من غالبية الدول الأعضاء لمواصلة مهمته الشائكة.
وقد جرت عملية التصويت في الجمعية العامة التي تضم 193 دولة، حيث صوتت 144 دولة لصالح إعادة تعيين تورك، مقابل 10 دول صوتت بالرفض، بينما امتنعت 13 دولة عن التصويت. ورفضت الدول الأعضاء مقترحاً أمريكياً بتأجيل التصويت ومقترحاً روسياً بتمديد ولاية تورك حتى نهاية العام فقط، مما أظهر إصراراً من الأغلبية على المضي قدماً في التعيين الكامل.
خلفية المنصب وتحديات فولكر تورك
تأسس منصب المفوض السامي لحقوق الإنسان عام 1993، ويُعد المسؤول الأعلى في الأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان. يتمتع شاغل هذا المنصب بصلاحيات واسعة لمراقبة أوضاع حقوق الإنسان حول العالم، وتقديم التقارير، والتنديد بالانتهاكات التي قد ترتكبها حتى الدول الأعضاء في المنظمة الدولية. هذه الطبيعة الرقابية للمنصب تجعله دائماً في مواجهة مع الحكومات، خاصة القوية منها، مما يفسر التحديات الكبيرة التي تواجه أي شخص يشغله. ويُعد فولكر تورك أول شخص يشغل هذا المنصب لولايتين كاملتين منذ إنشائه، مما يضع على عاتقه مسؤولية تاريخية في ظل استقطاب دولي متزايد.
مواقف دولية متباينة وانقسامات حادة
سلط التصويت الضوء على تصاعد المواجهة بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والأمم المتحدة. فقبل التصويت، حذر الممثل الأمريكي للشؤون الإدارية والإصلاح في الأمم المتحدة، جيف بارتوس، من أن إعادة تعيين تورك ستثبت أن الجمعية العامة “مختلة وظيفياً”، مهدداً بأن الولايات المتحدة ستعيد تقييم مشاركتها ودعمها المالي للمنظمة. وتدين إدارة ترامب للأمم المتحدة بنحو 4 مليارات دولار، كما خفضت تمويلها وانسحبت من عدة هيئات تابعة للمنظمة.
من جانبها، هاجمت روسيا الأمين العام أنطونيو غوتيريش، متهمة إياه بـ”زرع الفتنة” بين الأعضاء، كما اتهم نائب السفير الروسي، ديمتري تشوماكوف، تورك بـ”التحيز السياسي” والترويج لـ”المصالح الجيوسياسية الغربية تحت ستار الاهتمام بحقوق الإنسان”. أما إسرائيل، فقد وصفت وزارة خارجيتها مساعي غوتيريش لإعادة تعيين تورك بأنها “أحد إخفاقاته”، وذلك على خلفية انتقادات تورك المتكررة للحرب الإسرائيلية على غزة.
يمثل بقاء تورك في منصبه انتصاراً للدبلوماسية متعددة الأطراف، ولكنه يضعه في مواجهة مباشرة مع تحديات جسيمة، أبرزها الحفاظ على استقلالية ومصداقية مكتبه في بيئة دولية مشحونة بالتوترات، ومواصلة الدفاع عن حقوق الإنسان في مناطق النزاع الساخنة دون الخضوع لضغوط القوى الكبرى.


