بعد غياب دام قرابة 17 عاماً عن اللقاءات الرئاسية في المكتب البيضاوي، تعود بيروت إلى واشنطن من الباب العريض، في زيارة تحمل دلالات استراتيجية عميقة قد تعيد تشكيل مستقبل العلاقات اللبنانية الأمريكية. هذا اللقاء، الذي جمع الرئيس اللبناني جوزيف عون بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لا يمثل مجرد حدث بروتوكولي، بل هو مؤشر على تحول جوهري في نظرة الإدارة الأمريكية للبنان ودوره في منطقة الشرق الأوسط التي تشهد إعادة ترتيب واسعة لخارطة النفوذ والتحالفات.
لبنان على رادار واشنطن من جديد: سياق تاريخي وتوقيت حاسم
لفهم أهمية هذه العودة، لا بد من النظر إلى الخلفية التاريخية. خلال العقدين الماضيين، ورغم استمرار التواصل على المستويات الأمنية والعسكرية والدبلوماسية، غاب لبنان عن مستوى صناعة القرار في البيت الأبيض. كانت الملفات اللبنانية تُدار بشكل أساسي عبر وزارتي الخارجية والدفاع وأجهزة الاستخبارات، بينما كانت أولويات الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين تتجه نحو ملفات أخرى أكثر إلحاحاً في المنطقة كالحرب في العراق، والملف النووي الإيراني، وصعود تنظيم “داعش”. اليوم، يبدو أن الإدارة الأمريكية قد اقتنعت بأن خرائط النفوذ القديمة لم تعد صالحة، وأن الاستقرار الإقليمي يتطلب مقاربة جديدة تعيد للبنان موقعه كدولة محورية لا مجرد ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
صفقة المسؤوليات: إعادة تعريف العلاقات اللبنانية الأمريكية
خلافاً للتوقعات، لم تأتِ واشنطن بعرض لدعم غير مشروط، بل قدمت ما يمكن وصفه بـ “صفقة مسؤوليات”. الرسالة الأمريكية كانت واضحة: المساعدات العسكرية، والاستثمارات الاقتصادية، وحتى الضغط الدبلوماسي على إسرائيل لاستكمال انسحابها من الأراضي اللبنانية المحتلة، كلها باتت مرتبطة في سلة واحدة. ومفتاح هذه السلة هو مدى قدرة والتزام الدولة اللبنانية بإجراء تغييرات جوهرية، ليس فقط لإدارة التوازنات الداخلية، بل لاستعادة كامل سيادتها ووظيفتها الأمنية والسيادية على أراضيها. المعيار الأمريكي للنجاح لم يعد منع الانهيار، بل أصبح إعادة بناء الدولة القادرة والفاعلة.
ماذا بعد القمة؟ فرصة نادرة وتحديات مصيرية
من جانبه، حاول الوفد اللبناني، برئاسة الرئيس عون، تثبيت معادلة مقابلة لا تقل أهمية، مؤكداً أنه لا يمكن مطالبة الدولة اللبنانية بتحمل كامل مسؤولياتها بينما لا تزال أجزاء من أراضيها محتلة، ولا يمكن تكليف الجيش بمهام مصيرية دون تزويده بالإمكانيات اللازمة. في جوهر الأمر، تكشف قمة واشنطن أن الولايات المتحدة لم تغير سياستها تجاه لبنان بقدر ما غيرت موقع لبنان داخل سياستها الإقليمية. لقد انتقل لبنان من كونه ملفاً هامشياً إلى جزء من مشروع إقليمي أوسع. السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل سيتمكن لبنان من استثمار هذه اللحظة النادرة، التي قد لا تتكرر، لتحويل الفرص إلى واقع والوعود إلى التزامات متبادلة، أم أن التحديات الداخلية ستفوت عليه فرصة تاريخية لإعادة تموضعه على الساحة الدولية؟


