يعيش الشارع العراقي حالة من الترقب الشديد خلال الساعات القادمة، انتظاراً لإعلانات قد تكون حاسمة في مسار مكافحة الفساد، حيث تتجه الأنظار نحو مصير 12 شخصية سياسية وحزبية بارزة تلاحقها شبهات الفساد في العراق. وكشفت مصادر مطلعة في رئاسة الوزراء عن اجتماع مرتقب يجمع رئيس الحكومة محمد شياع السوداني بقوى الإطار التنسيقي، بهدف مناقشة الآليات الكفيلة بإنهاء مظاهر الحصانة السياسية عن المتهمين بالتورط في هدر المال العام، في خطوة تعد بالكشف عن أسماء كبيرة في مستنقع الفساد الذي أنهك الدولة.
وأكدت المصادر أن الاجتماع سيركز على بناء آلية واضحة لرفع الحصانة السياسية عن كل من تحوم حوله شبهات فساد، بصرف النظر عن موقعه السياسي أو الحزبي. وتفيد المعلومات بأن الملفات التي ستتم مناقشتها تطال 12 شخصية سياسية وحزبية نافذة، يواجه أصحابها تهماً تتعلق بتضخم الأموال وهدر المال العام، تمهيداً لإحالتها رسمياً إلى القضاء لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
جذور الأزمة: الفساد كظاهرة مؤسسية
لم تكن ظاهرة الفساد في العراق وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكمات بنيوية معقدة أعقبت عام 2003. فقد ساهم نظام المحاصصة السياسية والطائفية في خلق شبكات مصالح مترابطة، حوّلت مؤسسات الدولة إلى أدوات للاستقطاب الحزبي والإثراء غير المشروع. هذا الواقع أدى إلى تآكل ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها، وأعاق بشكل كبير جهود التنمية الاقتصادية على الرغم من الموارد النفطية الهائلة التي يتمتع بها العراق. وقد شهدت البلاد احتجاجات شعبية واسعة، أبرزها انتفاضة تشرين، التي كان من أبرز مطالبها القضاء على الفساد ومحاسبة المتورطين، مما يضع الحكومة الحالية أمام اختبار حقيقي لتلبية هذه المطالب الشعبية.
حملة جديدة لمكافحة شبهات الفساد في العراق
تأتي هذه التحركات في سياق حملة أوسع أطلقتها الحكومة العراقية في 28 يونيو الماضي، والتي وُصفت بأنها “المرحلة الأولى” لاسترداد المال العام. وشملت تلك المرحلة اعتقال مسؤولين وسياسيين ورجال أعمال ضمن عملية أُطلق عليها “صولة الفجر”. وأفادت مصادر حكومية بأن الإجراءات القانونية للمرحلة الثانية قد استُكملت، وهي تستهدف ملفات فساد كبرى في وزارات حيوية مثل الصحة والنفط والكهرباء. وتتضمن هذه المرحلة تتبع الأموال والعقارات داخل العراق وخارجه، وإعداد قوائم جديدة بأسماء المتهمين، بالتزامن مع استمرار التحقيقات لضمان سريتها ونجاحها. وشدد رئيس الوزراء على أهمية اتخاذ خطوات فعلية وعملية في هذا الملف، متجاوزاً حدود التأييد الشفهي، ومؤكداً أن الحملة ستطال كافة المستويات دون استثناء.
الأبعاد والتداعيات المحتملة
إن نجاح هذه الحملة يحمل في طياته أبعاداً تتجاوز مجرد استرداد الأموال المنهوبة. فعلى الصعيد المحلي، يمكن أن تساهم محاسبة “الرؤوس الكبيرة” في استعادة جزء من ثقة الشارع العرافي بالنظام السياسي، وتعزيز مبدأ سيادة القانون. أما على الصعيد الدولي، فإن إظهار الجدية في مكافحة الفساد من شأنه تحسين سمعة العراق، وتشجيع الاستثمارات الأجنبية التي طالما أحجمت عن دخول السوق العراقية بسبب المخاطر المرتبطة بالفساد. وتؤكد هيئة النزاهة أن مذكرات القبض تُنفذ بإشراف قضائي مباشر، مع تفعيل مذكرات الاعتقال الدولية عبر الإنتربول لملاحقة المتورطين واسترداد الأموال المهربة، مما يضفي بعداً دولياً على هذه الجهود ويعكس إصراراً على عدم ترك أي ثغرة للفاسدين للهروب من العدالة.


