تدخل مفاوضات روما بين لبنان وإسرائيل مرحلة حاسمة، حيث يستكمل الطرفان اليوم الأربعاء جولة ثانية من المباحثات التي تستضيفها السفارة الأمريكية في العاصمة الإيطالية. بعد جولة أولى اتسمت بأجواء إيجابية حذرة، انتقل النقاش من المبادئ العامة إلى التفاصيل التقنية والآليات التنفيذية، مما يضع مستقبل الاتفاق على المحك. وتتركز المباحثات الحالية حول نقاط جوهرية تشمل مقترح “المناطق النموذجية”، وصلاحيات الجيش اللبناني، والضمانات الدولية اللازمة لانسحاب إسرائيلي كامل من جنوب لبنان.
خلفية تاريخية لجهود السلام على الحدود الجنوبية
تأتي هذه المفاوضات في سياق جهود دولية ممتدة تهدف إلى ترسيخ الاستقرار على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، وهي منطقة شهدت عقوداً من التوتر والنزاعات المسلحة. وتستند هذه الجهود بشكل أساسي إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، الذي صدر في أعقاب حرب يوليو 2006، ودعا إلى وقف كامل للأعمال العدائية، وانسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان، ونشر الجيش اللبناني وقوات الأمم المتحدة المؤقتة (اليونيفيل) في الجنوب. ورغم أن القرار نجح في الحفاظ على هدوء نسبي، إلا أن تنفيذه الكامل ظل تحدياً، مما استدعى جولات متكررة من الدبلوماسية غير المباشرة بوساطة أطراف دولية، أبرزها الولايات المتحدة.
تفاصيل دقيقة على طاولة مفاوضات روما
انتقلت المباحثات من الإطار العام إلى صلب القضايا الميدانية الشائكة. وقد برزت ثلاث نقاط أساسية خلال جلسة الأمس، أولها فكرة “المناطق النموذجية”. حيث يصر الجانب الإسرائيلي على بدء الانسحاب من بلدات لا يوجد فيها وجود عسكري له، بينما يتمسك لبنان بضرورة الانتشار الفوري للجيش في أي منطقة ينسحب منها الاحتلال. ولمواجهة هذا الخلاف، طرح الوسيط الأمريكي مخرجاً يقضي باختيار بلدتين نموذجيتين: الأولى خالية من الوجود الإسرائيلي، والثانية ينسحب منها الجيش الإسرائيلي ليدخلها الجيش اللبناني، وذلك كاختبار تجريبي يمكن تعميمه لاحقاً. النقطة الثانية تناولت تشكيل لجان تقنية متخصصة لمتابعة تفاصيل الانسحاب، فيما تمحورت النقطة الثالثة حول الخروقات الأمنية، حيث يطالب لبنان بوقفها الفوري، بينما تتمسك إسرائيل بـ”حق الدفاع عن النفس” بذريعة نشاط حزب الله.
الأبعاد الاستراتيجية للاتفاق المحتمل
يحمل أي اتفاق يتم التوصل إليه في روما أهمية استراتيجية تتجاوز مجرد الترتيبات العسكرية. فعلى الصعيد المحلي، سيمثل نجاح المفاوضات تعزيزاً لسيادة الدولة اللبنانية وبسط سلطتها على كامل أراضيها، كما سيمنح الجيش اللبناني دوراً محورياً كضامن وحيد للأمن في الجنوب. إقليمياً، من شأن التوصل إلى اتفاق أن يخفف من حدة التوتر على واحدة من أكثر الجبهات حساسية في الشرق الأوسط. أما دولياً، فيُعتبر هذا المسار الدبلوماسي إنجازاً للإدارة الأمريكية التي تسعى لتحقيق اختراقات في ملفات المنطقة، وقد يمهد الطريق لتعزيز العلاقات بين بيروت وواشنطن، خاصة في ظل الحديث عن زيارة مرتقبة للرئيس جوزيف عون للقاء الرئيس دونالد ترامب. يبقى نجاح هذه الجولة مرهوناً بالقدرة على ترجمة النوايا إلى آليات واضحة وضمانات دولية قوية تضمن التنفيذ الكامل والشامل للانسحاب.


