مرة أخرى، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه في مواجهة انقسامات داخلية عميقة، حيث أخفق وزراء خارجيته في التوصل إلى إجماع لفرض إجراءات عقابية ضد منتجات المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة. خلال اجتماعهم الأخير في بروكسل، لم يتمكن المقترح الذي يهدف إلى حظر استيراد هذه المنتجات من الحصول على الأغلبية اللازمة لتمريره، مما يعكس تبايناً حاداً في المواقف بين الدول الأعضاء ويطرح تساؤلات جدية حول قدرة التكتل على ترجمة مواقفه المبدئية إلى سياسات فعالة.
فقد كشفت مجلة “بوليتيكو” أن 11 دولة فقط من أصل 27 أيدت المضي قدماً في اتخاذ إجراءات ملموسة، وهو عدد لا يرقى إلى الأغلبية البسيطة المطلوبة لإلزام المفوضية الأوروبية بتقديم تشريع رسمي بهذا الشأن. وعلى الرغم من أن مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد، كايا كالاس، صرحت بأن الاقتراح “حظي بأكبر قدر من التأييد”، إلا أن هذا التأييد لم يكن كافياً للتغلب على التردد والمعارضة من كتل أخرى داخل الاتحاد، مما أدى إلى تجميد المبادرة في الوقت الراهن.
موقف مبدئي ثابت وتطبيق متردد
يستند الموقف الرسمي للاتحاد الأوروبي، منذ عقود، إلى اعتبار جميع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية ومرتفعات الجولان غير قانونية بموجب القانون الدولي، وتحديداً اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر على القوة المحتلة نقل سكانها إلى الأراضي التي تحتلها. هذا الموقف المبدئي يتم التأكيد عليه بانتظام في بيانات الاتحاد وقراراته، إلا أن ترجمته إلى إجراءات عملية، مثل فرض عقوبات اقتصادية، ظلت نقطة خلافية كبرى.
تاريخياً، اكتفى الاتحاد بتدابير محدودة مثل سياسة “وسم المنتجات”، التي تُلزم بتمييز البضائع القادمة من المستوطنات عن تلك القادمة من إسرائيل، لتمكين المستهلكين من اتخاذ قرارات مستنيرة. لكن الدعوات لخطوات أكثر حسماً، كالحظر التجاري الكامل، تصاعدت من قبل دول مثل أيرلندا وبلجيكا وإسبانيا، التي ترى في ذلك وسيلة ضرورية للضغط على إسرائيل لوقف توسعها الاستيطاني الذي يقوض حل الدولتين.
ماذا يعني فشل معاقبة المستوطنات الإسرائيلية لمصداقية أوروبا؟
إن الإخفاق الأخير لا يمثل مجرد قضية إجرائية، بل يحمل في طياته تداعيات أعمق على مكانة الاتحاد الأوروبي ودوره على الساحة الدولية. أولاً، يضعف هذا الانقسام مصداقية الاتحاد كوسيط نزيه في عملية السلام في الشرق الأوسط، حيث يبدو عاجزاً عن ممارسة ضغط حقيقي لتطبيق قراراته ومبادئه. ثانياً، يثير اتهامات بـ”ازدواجية المعايير”، خاصة عند مقارنة التردد في التعامل مع ملف المستوطنات الإسرائيلية بالسرعة والحزم اللذين فرض بهما الاتحاد عقوبات واسعة على روسيا بعد غزوها لأوكرانيا.
داخلياً، يعكس هذا الفشل التحديات الهيكلية التي تواجه السياسة الخارجية الأوروبية، والتي تتطلب غالباً إجماعاً أو أغلبية مؤهلة، مما يمنح الدول المنفردة أو الكتل الصغيرة القدرة على عرقلة القرارات. ففي حين تدفع دول معينة باتجاه سياسة خارجية أكثر حزماً ومبنية على القيم، تفضل دول أخرى، مثل المجر وألمانيا لأسباب مختلفة، الحفاظ على علاقات قوية مع إسرائيل وتجنب أي خطوات قد تعتبر تصعيدية. وفي خضم هذا الشد والجذب، يبقى الموقف الأوروبي الموحد مجرد طموح بعيد المنال، مما يترك سياسات التوسع الاستيطاني تمضي قدماً دون رادع أوروبي فعال.


