في ظل البيئة الأمنية العالمية سريعة التغير، كشف تحقيق صحفي أجرته صحيفة “نيويورك تايمز” عن نجاح روسيا في الالتفاف على العقوبات الغربية المفروضة عليها منذ غزو أوكرانيا عام 2022، وتحويل اليابان إلى إحدى أهم محطاتها للحصول على التكنولوجيا المتقدمة من اليابان اللازمة لاستمرار صناعاتها العسكرية. وتستفيد موسكو من ثغرات قانونية وشبكات تهريب معقدة تعمل تحت غطاء دبلوماسي وتجاري لتأمين المكونات الإلكترونية الدقيقة التي تحتاجها لإنتاج أسلحتها الحديثة.
وقد أقرت الحكومة اليابانية بالحاجة الملحة لتعزيز جهودها لمكافحة أنشطة الاستخبارات الأجنبية على أراضيها. وفي هذا السياق، صرح كبير أمناء مجلس الوزراء الياباني، مينورو كيهارا، بأن طوكيو تدرك تزايد الحاجة للتصدي لمحاولات الحصول على معلومات حيوية تهدد الأمن القومي، مؤكداً أن اليابان ستتعامل مع هذه القضية بقدر أكبر من الصرامة.
ثغرات في جدار العقوبات: اليابان كبوابة خلفية لروسيا
منذ ضم شبه جزيرة القرم في عام 2014، فرض الغرب سلسلة من العقوبات على روسيا، والتي تم تشديدها بشكل غير مسبوق بعد غزو أوكرانيا. استهدفت هذه العقوبات شل قدرة موسكو على تمويل حربها وتقييد وصولها إلى التكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج (المدني والعسكري). ومع ذلك، أظهرت العمليات الروسية قدرة ملحوظة على التكيف، حيث لجأت إلى إنشاء شبكات عالمية معقدة لتأمين احتياجاتها. وفي هذا الإطار، برزت اليابان، إحدى القوى التكنولوجية الكبرى في العالم وحليف رئيسي للغرب، كنقطة ضعف غير متوقعة في نظام العقوبات.
فبعد أن ضيقت أوروبا والولايات المتحدة الخناق على عمليات شراء المكونات الإلكترونية والرقائق الدقيقة، أصبحت طوكيو وجهة رئيسية لعشرات من ضباط الاستخبارات الروسية الذين طُردوا من العواصم الغربية. هؤلاء العملاء، الذين يعملون تحت غطاء دبلوماسي أو تجاري، يديرون عمليات سرية لتأمين التكنولوجيا اليابانية وتهريبها إلى روسيا.
من باناسونيك إلى الصواريخ: دور التكنولوجيا المتقدمة من اليابان في الحرب
يكشف التحقيق أن العنصر المحوري في هذه العمليات هو وحدة سرية تابعة للاستخبارات العسكرية الروسية تُعرف باسم “المديرية العشرون”. هذه الوحدة، التي لم يُكشف عنها علناً من قبل، تتولى مهمة شراء أو سرقة التكنولوجيا الحساسة وتهريبها إلى روسيا عبر شبكات من الشركات والوسطاء. ووفقاً لمسؤولين استخباراتيين غربيين، فإن الضابط الروسي مكسيم فلاديميروفيتش فيلاتشينكوف يدير هذه العمليات من داخل مكتب شركة الطيران الروسية “إيروفلوت” في طوكيو، مستغلاً وظيفته كغطاء لأنشطته.
وتكمن أهمية هذه العمليات في أن الصناعات العسكرية الروسية تعتمد بشكل كبير على المكونات الأجنبية. وبحسب تقديرات الحكومة الأوكرانية، فإن نحو 90% من الصواريخ والطائرات المسيرة الروسية تحتوي على مكونات يابانية. وقد استشهد التحقيق بصاروخ روسي من طراز “كيه إتش-101” أصاب مبنى سكنياً في كييف، حيث عثر المحققون الأوكرانيون بين حطامه على مكونات إلكترونية يابانية يُحظر تصديرها إلى روسيا، من بينها منتجات لشركات كبرى مثل باناسونيك وتوشيبا وإن إي سي.
تداعيات دولية وشبكات تهريب عبر دول ثالثة
لا تعتمد روسيا على الشحن المباشر من اليابان، بل تستخدم دولاً وسيطة لإعادة تصدير المنتجات وإخفاء وجهتها النهائية. ويبرز في هذا السياق دور شركات شحن تربط اليابان بدول مثل سريلانكا وأوزبكستان وفيتنام، قبل أن تنتقل البضائع إلى روسيا. وقد كشفت وثائق الشحن التي اطلع عليها الصحفيون عن وجود تعاملات مع شركة “آر-فارم” الروسية، التي لا تخضع للعقوبات بشكل مباشر، بينما يخضع مؤسسها أليكسي ريبيك لعقوبات بريطانية وكندية وأسترالية بسبب علاقاته الوثيقة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين ودعمه للمجهود الحربي.
وقد أعرب مسؤولون غربيون وأوكرانيون عن استيائهم من بطء الإجراءات اليابانية في مواجهة شبكات الالتفاف على العقوبات. ورغم أن أوكرانيا أرسلت سلسلة من المذكرات الدبلوماسية إلى وزارة الخارجية اليابانية تتضمن صوراً وقوائم بمكونات يابانية عُثر عليها داخل الأسلحة الروسية، فإن السلطات اليابانية لم توجه أي اتهامات للشركات أو الأفراد المتورطين حتى الآن، مما يثير تساؤلات حول فعالية تطبيق العقوبات ويضع طوكيو تحت ضغط متزايد من حلفائها.


