في لحظة تاريخية فارقة، تتجه أنظار السوريين والمنطقة إلى دمشق لمتابعة أول انعقاد لمجلس الشعب السوري الجديد يوم الأحد، في خطوة تمثل حجر الزاوية في مسار بناء مؤسسات الدولة بعد عقود من هيمنة النظام السابق. يأتي هذا الحدث استكمالاً للمرحلة الانتقالية التي بدأت مع سقوط نظام الأسد، ويؤسس لانطلاق عمل السلطة التشريعية وفقاً للإعلان الدستوري لعام 2025، الذي ينظم شؤون البلاد لحين إقرار دستور دائم.
فجر جديد للحياة النيابية في سوريا
يمثل انعقاد المجلس نهاية حقبة طويلة من الحياة البرلمانية الصورية التي امتدت لأكثر من نصف قرن، حيث كان مجلس الشعب يفتقر إلى الصلاحيات الحقيقية ويعمل كواجهة شكلية لتمرير قرارات السلطة التنفيذية. اليوم، يُنظر إلى هذه الجلسة الافتتاحية على أنها نقطة تحول جوهرية نحو إعادة بناء عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمواطنين، قائم على مبادئ التمثيل الشعبي الحقيقي والفصل بين السلطات. تأتي هذه الخطوة بعد سنوات من الصراع المدمر الذي خلف فراغاً مؤسساتياً هائلاً، مما يضع على عاتق الأعضاء الجدد مسؤولية تاريخية في وضع الأسس القانونية والتشريعية لدولة المستقبل.
الإطار الدستوري والمهام المنتظرة من مجلس الشعب السوري
يستمد المجلس المؤقت شرعيته وصلاحياته من الإعلان الدستوري لعام 2025، الذي منحه دوراً محورياً خلال المرحلة الانتقالية المحددة بـ 30 شهراً قابلة للتجديد. لا تقتصر مهام المجلس على سن القوانين فحسب، بل تشمل صلاحيات رقابية واسعة على أداء الحكومة الانتقالية. ومن أبرز المهام الموكلة إليه إقرار الموازنة العامة للدولة، والمصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية، ومنح الثقة للحكومة أو حجبها عنها، بالإضافة إلى دوره الأهم المتمثل في تشكيل لجنة لصياغة مسودة دستور دائم للبلاد يتم طرحه لاحقاً للاستفتاء الشعبي.
إجراءات الجلسة الافتتاحية
تبدأ الجلسة الأولى، وفقاً للنظام الانتخابي المؤقت، برئاسة أكبر الأعضاء سناً، وبمعاونة أصغر عضوين كأمناء للسر. بعد تلاوة مرسوم دعوة المجلس للانعقاد، يؤدي الأعضاء اليمين الدستورية، وهو إجراء رمزي وقانوني يكتسبون بموجبه الصفة النيابية الكاملة. عقب ذلك، ينتقل المجلس إلى انتخاب هيئة رئاسته الدائمة، والتي تتألف من رئيس ونائب للرئيس وأميني سر، عبر الاقتراع السري. وبمجرد انتخاب الرئيس، يتولى إدارة الجلسة وتحديد موعد الجلسة التالية التي من المتوقع أن يلقي فيها رئيس الجمهورية كلمة أمام المجلس، لتبدأ المؤسسة التشريعية ممارسة مهامها بشكل رسمي.
تأثيرات محلية وإقليمية ودولية مرتقبة
على الصعيد المحلي، يعلق السوريون آمالاً عريضة على هذا المجلس ليكون صوتهم الحقيقي، ويعالج الملفات الشائكة كإعادة الإعمار، والعدالة الانتقالية، وعودة اللاجئين والنازحين. أما إقليمياً ودولياً، فإن نجاح هذه التجربة البرلمانية سيشكل مؤشراً هاماً على مدى استقرار المرحلة الانتقالية في سوريا. ستراقب القوى الإقليمية والدولية عن كثب أداء المجلس وقدرته على إنتاج تشريعات توافقية تعكس تنوع المجتمع السوري، حيث يُعد الاعتراف الدولي بشرعية هذه المؤسسات الجديدة شرطاً أساسياً لعودة سوريا إلى محيطها العربي والدولي، وللحصول على الدعم اللازم لإعادة بناء ما دمرته الحرب.


