كشفت وثائق روسية سرية، مدعومة بإفادات من مسؤولين أوروبيين، عن برنامج تدريب عسكري سري استضافته الصين لعناصر من القوات المسلحة الروسية خلال عام 2025. هذه الخطوة، التي تعكس تعمقاً غير مسبوق في العلاقات الدفاعية بين البلدين، أثارت مخاوف متزايدة داخل الاتحاد الأوروبي بشأن تداعيات هذا التعاون العسكري بين موسكو وبكين على الحرب في أوكرانيا والاستقرار الإقليمي. ويأتي هذا الكشف في وقت حساس، حيث يسعى الغرب لفهم حدود الدعم الذي تقدمه بكين لموسكو في ظل الصراع الدائر.
شراكة “بلا حدود” تتجاوز الاقتصاد إلى الميدان
لم يأتِ هذا التقارب العسكري من فراغ، بل هو تتويج لمسار طويل من التحالف الاستراتيجي الذي تعزز بشكل كبير منذ إعلان الشراكة “بلا حدود” بين الرئيسين فلاديمير بوتين وشي جين بينغ قبيل بدء العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا. تاريخياً، كانت العلاقات بين العملاقين الشيوعيين تتسم بالتعقيد، لكن مواجهتهما المشتركة لما يعتبرانه هيمنة أمريكية على النظام العالمي دفعهما إلى تنحية الخلافات جانباً وتكوين جبهة موحدة. وقد تجلى هذا التقارب في السنوات الأخيرة عبر مناورات عسكرية مشتركة واسعة النطاق، مثل مناورات “فوستوك”، إلا أن التدريبات الأخيرة التي كُشف عنها تحمل طابعاً أكثر حساسية وتخصصاً، مما ينقل التعاون من مجرد استعراض للقوة إلى تبادل عميق للخبرات التكتيكية والاستراتيجية.
تفاصيل التدريبات: حرب كيماوية ونووية على الطاولة
وفقاً لتقرير نشرته وكالة “رويترز” استناداً إلى الوثائق، فإن التدريب جرى بموافقة مباشرة من وزير الدفاع الروسي أندريه بيلوسوف، وشارك فيه ما لا يقل عن أربعة جنرالات من روسيا والصين. وأظهرت وثيقة روسية مصنفة “سرية” أن بيلوسوف أصدر في أغسطس 2025 قراراً بإيفاد وفد من القوات المسلحة الروسية إلى الصين للمشاركة في برامج تدريبية داخل منشآت تابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني. استمرت الدورة التدريبية لمدة ثلاثة أسابيع وركزت بشكل خاص على مجالات بالغة الحساسية، أبرزها الحماية من المخاطر الإشعاعية والبيولوجية والكيماوية (CBRN)، وهي من أكثر الملفات سرية في العقائد العسكرية الحديثة. تضمنت الدورات محاضرات قدمها مدربون صينيون حول أساليب الاستطلاع الكيميائي والإشعاعي، وطرق حماية أنظمة التهوية من التلوث، بالإضافة إلى تدريبات باستخدام نموذج لمحاكاة مفاعل نووي.
تداعيات الـ تعاون عسكري بين موسكو وبكين على الأمن الأوروبي
أكد أحد المسؤولين الأوروبيين أن إدراج تدريبات متخصصة في مجالات الحرب الكيماوية والبيولوجية والإشعاعية يعكس الطبيعة الاستراتيجية للعلاقة بين البلدين. وأثارت هذه المعلومات نقاشاً حاداً داخل الاتحاد الأوروبي حول ضرورة اتخاذ إجراءات إضافية بحق الصين. وكانت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، قد صرحت بأن بروكسل تحققت من وقوع هذه التدريبات عبر قنواتها الخاصة وتدرس حالياً تداعياتها السياسية والأمنية. يضع هذا التطور الاتحاد الأوروبي في موقف صعب، فهو يسعى لردع الصين عن دعم المجهود الحربي الروسي، لكنه يواجه تحدي العلاقات التجارية والاقتصادية الوثيقة التي تربطه ببكين. وقال مسؤول أوروبي في بروكسل: “إن الاتحاد لم يعد بإمكانه النظر إلى الصين من منظور اقتصادي فقط، بل يجب التعامل معها باعتبارها عاملاً حاسماً في دعم الحرب الروسية”.
نفي صيني وصمت روسي
في المقابل، نفت وزارة الخارجية الصينية صحة ما ورد في التقرير، مؤكدة أن موقف بكين من الحرب في أوكرانيا “لم يتغير”، ووصفت المعلومات بأنها “لا أساس لها من الصحة”. من جانبها، لم تصدر وزارتا الدفاع في الصين وروسيا أي تعليق رسمي على الوثائق. ويأتي هذا النفي متسقاً مع السياسة الصينية الرسمية التي تنكر تقديم أي دعم عسكري مباشر لروسيا، رغم أن التقارير الغربية تؤكد أن بكين تزود موسكو بمكونات تكنولوجية ومواد ذات استخدام مزدوج تساهم في استمرار آلتها العسكرية.


