في خطوة حاسمة لكسر شوكة الفساد المستشري، صعّدت الحكومة العراقية من جهودها لملاحقة كبار المسؤولين ورجال الأعمال المتهمين بنهب المال العام، والذين يُعرفون بـ “حيتان الفساد في العراق”، حيث كشفت مصادر حكومية عن تحركات قضائية ودبلوماسية مكثفة لاستردادهم من ملاذاتهم الآمنة في الخارج، وعلى رأسها الأردن. وتأتي هذه الحملة في وقت تشير فيه التقديرات إلى أن فاتورة الفساد منذ عام 2003 قد تجاوزت حاجز الـ 500 مليار دولار، وهو رقم فلكي استنزف ثروات البلاد وأعاق مسيرة التنمية لعقدين من الزمن.
ووفقاً لمصادر مطلعة، فإن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني أصدر أوامر رسمية تطالب السلطات الأردنية بالقبض على شخصيات عراقية بارزة فرّت إلى المملكة وأسست إمبراطوريات اقتصادية ضخمة من الأموال المنهوبة. وتضم قائمة المطلوبين أسماء ثقيلة تسيطر على استثمارات واسعة في الأردن تشمل مستشفيات خاصة، ووكالات سيارات كبرى، ومصانع، متهمين بسرقة مئات الملايين من الدولارات وكميات ضخمة من الذهب. ويمثل هذا التحرك تحدياً كبيراً يتطلب تعاوناً دولياً وثيقاً لتفكيك شبكات غسيل الأموال المعقدة التي استخدمها هؤلاء لإخفاء ثرواتهم.
جذور الأزمة: عقود من استنزاف ثروات العراق
لم تكن ظاهرة الفساد وليدة اللحظة في العراق، بل هي نتاج تراكمات بدأت بعد عام 2003، حيث أدى ضعف مؤسسات الدولة والاضطرابات الأمنية والسياسية إلى خلق بيئة خصبة لنهب المال العام. وتفاقمت الأزمة مع اعتماد نظام المحاصصة السياسية الذي حوّل الوزارات والمؤسسات الحكومية إلى إقطاعيات للأحزاب، مما سمح لشبكات منظمة بالاستيلاء على عقود الدولة والمنافع الاقتصادية. وقد التهم هذا الفساد الممنهج ما يقدر بثلث إيرادات العراق النفطية، التي كانت كفيلة بإعادة بناء البنية التحتية المتهالكة وتوفير خدمات أساسية للمواطنين في مجالات الصحة والتعليم والكهرباء.
تحرك حكومي حاسم لملاحقة حيتان الفساد في العراق
تأتي الحملة الحالية كجزء من تعهدات حكومة السوداني بمكافحة الفساد كأولوية قصوى. وتتضمن الإجراءات القضائية العراقية فرض حظر شامل وتجميد كامل لجميع أصول وممتلكات المتهمين داخل الأردن وخارجه، في أضخم تحرك حكومي من نوعه. وعلى الصعيد الداخلي، وجه رئيس الوزراء الأجهزة المختصة بتشديد الرقابة على الطرق الرئيسية بين المحافظات وتفتيش المركبات الحكومية بدقة، بهدف إحباط أي محاولات لتهريب الأموال أو المستندات التي قد تدين المتورطين. ووصف السوداني هذه الإجراءات بأنها “المرحلة الأولى” ضمن مسار أوسع لاسترداد أموال الشعب العراقي ومحاسبة كل من تورط في نهبها.
التأثيرات العميقة: من الاقتصاد إلى الاستقرار الإقليمي
إن التأثير المدمر للفساد في العراق يتجاوز الأرقام المالية؛ فقد أدى إلى تآكل ثقة المواطن بالدولة وأجج موجات من الاحتجاجات الشعبية التي طالبت بالإصلاح والعدالة الاجتماعية. كما أن هروب هذه الأموال الضخمة واستثمارها في دول الجوار لا يؤثر فقط على الاقتصاد العراقي، بل يساهم في خلق تشوهات اقتصادية في الدول المضيفة ويثير تساؤلات حول مدى التزامها بالاتفاقيات الدولية لمكافحة غسيل الأموال. إن نجاح العراق في هذه المعركة لن يعزز اقتصاده واستقراره الداخلي فحسب، بل سيرسل رسالة قوية على الصعيدين الإقليمي والدولي بأن عصر الإفلات من العقاب قد انتهى.


