شهدت الحدود بين إسلام أباد وكابول فصلاً جديداً من التصعيد، مما يفاقم من توتر باكستان وأفغانستان المستمر منذ أشهر. أعلن الجيش الباكستاني عن اعتراض وإسقاط أربع طائرات مسيّرة بدائية انطلقت من الأراضي الأفغانية واخترقت المجال الجوي الباكستاني في إقليم بلوشستان الجنوبي الغني بالموارد. يأتي هذا الحادث ليزيد من تعقيد العلاقات بين الجارتين، اللتين كانتا حليفتين في الماضي قبل أن تتحولا إلى خصمين يتبادلان الاتهامات والضربات العسكرية المتقطعة.
في المقابل، أعلنت وزارة الدفاع في حكومة طالبان الأفغانية أن قواتها نفذت غارات جوية على ما وصفته بأنه “مركز لتنظيم داعش” في منطقة سارانان بإقليم بلوشستان، بالإضافة إلى مواقع أخرى في إقليم خيبر بختون خوا. وتمثل هذه الاشتباكات أحدث حلقة في سلسلة من المواجهات التي تعكس تدهوراً خطيراً في العلاقات الثنائية منذ عودة طالبان إلى السلطة في كابول عام 2021.
جذور الخلاف.. من التحالف إلى العداء
تعود جذور التوتر الحالي إلى قضايا تاريخية وجيوسياسية معقدة، أبرزها قضية “خط ديورند” الحدودي الذي لم تعترف به أي حكومة أفغانية منذ رسمه في القرن التاسع عشر. لكن الفتيل الذي أشعل الأزمة الحالية هو ملف حركة “طالبان باكستان” (TTP)، وهي جماعة مسلحة تتخذ من الأراضي الأفغانية ملاذاً آمناً لشن هجمات دامية داخل باكستان. كانت إسلام أباد تأمل أن تقوم طالبان الأفغانية، التي دعمتها لسنوات طويلة، بكبح جماح نظيرتها الباكستانية بعد استيلائها على السلطة. إلا أن ذلك لم يحدث، بل زادت هجمات الحركة بشكل ملحوظ، مما دفع باكستان إلى اتهام كابول صراحةً بتوفير الدعم والمأوى للإرهابيين، وهو ما تنفيه حكومة طالبان باستمرار، معتبرة أن التمرد هو شأن داخلي باكستاني.
تداعيات إقليمية ومخاوف من تفاقم توتر باكستان وأفغانستان
لا يقتصر تأثير هذا الصراع على البلدين فقط، بل يمتد ليشكل تهديداً للأمن والاستقرار في منطقة جنوب آسيا بأكملها. فالاشتباكات الحدودية المستمرة تعرقل جهود مكافحة الإرهاب، خاصة ضد تنظيم “داعش – ولاية خراسان” الذي يعتبر عدواً مشتركاً للطرفين. كما أن هذا التصعيد يثير قلق القوى الإقليمية، وعلى رأسها الصين التي استثمرت مليارات الدولارات في الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني (CPEC)، والذي يمر جزء كبير منه عبر المناطق المضطربة. وقد باءت جهود الوساطة التي قادتها بكين لتخفيف حدة التوتر بالفشل حتى الآن. على الصعيد الإنساني، أدت الأزمة إلى تشديد الإجراءات على المعابر الحدودية، مما أثر على حركة التجارة وحياة ملايين الأشخاص الذين يعتمدون عليها، بالإضافة إلى زيادة الضغوط على اللاجئين الأفغان المقيمين في باكستان.


