تصعيد جوي غير مسبوق يضرب مدينة الأبيض الاستراتيجية
تعيش مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، فصلاً جديداً ودامياً من الصراع الدائر في البلاد، حيث تحولت سمائها إلى مسرح لعمليات قصف مكثفة، في تصعيد غير مسبوق في حرب المسيرات التي باتت السمة الأبرز للمواجهات العسكرية. فبعد أكثر من عام على نجاح الجيش السوداني في فك الحصار البري الذي فرضته قوات الدعم السريع على المدينة، أصبح التهديد يأتي من الأعلى، حاصداً أرواح المدنيين ومحوّلاً حياة السكان إلى كابوس دائم من الخوف والترقب.
خلال الأيام القليلة الماضية، شهدت الأبيض واحدة من أعنف موجات القصف الجوي منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. وبحسب حصيلة أولية، أسفرت الهجمات عن مقتل 23 مدنياً وإصابة 19 آخرين، وسط توقعات بارتفاع عدد الضحايا لوجود إصابات حرجة. وتوجه منظمات محلية، من بينها مجموعة “محامو الطوارئ” الحقوقية، أصابع الاتهام إلى قوات الدعم السريع بتنفيذ هذه الهجمات التي استهدفت مواقع مدنية وعسكرية على حد سواء، في تحول نوعي يعكس الطبيعة المتغيرة للحرب في السودان.
الأبيض: قلب السودان النابض في عين العاصفة
تكتسب مدينة الأبيض أهمية استراتيجية استثنائية في الصراع الحالي، فهي لا تمثل فقط أكبر مركز حضري في إقليم كردفان، بل تعد أيضاً عقدة مواصلات حيوية تربط وسط البلاد بغربها الشاسع، وتحديداً ولايات دارفور الخمس. هذا الموقع الجغرافي جعلها نقطة ارتكاز لوجستية وعسكرية رئيسية للجيش السوداني، حيث تستضيف قيادة الفرقة الخامسة مشاة (الهجانة)، وتعمل كمنطلق للعمليات العسكرية نحو مناطق سيطرة الدعم السريع في الغرب والجنوب. ومنذ فشل قوات الدعم السريع في السيطرة عليها برياً، يبدو أنها لجأت إلى تكتيك القصف الجوي عن بعد لإرهاق الجيش وإثارة الفوضى بين المدنيين.
فصل جديد من حرب المسيرات: السماء لم تعد آمنة
يمثل تكثيف الهجمات بالمسيرات على الأبيض انعكاساً لتوسع استخدام هذه التقنية الفتاكة من قبل طرفي النزاع. فبعد أن كان استخدامها يتركز في العاصمة الخرطوم، امتد ليشمل جبهات قتال متعددة. وتفيد تقارير بأن الطرفين يستخدمان أنواعاً مختلفة من الطائرات بدون طيار، سواء كانت هجومية أو استطلاعية، مما غير من شكل المعارك التقليدية. المأساة تكمن في أن العديد من هذه الهجمات تفتقر إلى الدقة، أو تتعمد استهداف تجمعات مدنية، كما حدث في الأبيض. ووثقت مجموعة “محامو الطوارئ” استهداف إحدى المسيرات لتجمع مواطنين أثناء تشييع ضحايا هجوم سابق في “مقابر دليل”، مما أدى إلى مقتل أربعة أشخاص وإصابة سبعة آخرين، في جريمة حرب مكتملة الأركان تظهر الاستهتار الكامل بحياة الأبرياء.
هذا التصعيد الخطير لا يفاقم الأزمة الإنسانية في المدينة فحسب، بل يهدد أيضاً بتعقيد المشهد العسكري والإنساني في إقليمي كردفان ودارفور، اللذين يعتمدان بشكل كبير على الطرق المارة عبر الأبيض لوصول المساعدات المحدودة أصلاً. إن تحول سماء الأبيض إلى مصدر للموت يمثل جرس إنذار بأن حرب السودان تدخل مراحل أكثر وحشية، يدفع ثمنها المدنيون العزل.


