في خطوة تعكس عمق الشراكة الاستراتيجية المتنامية بين الرياض وأنقرة، كشف السفير التركي لدى المملكة، أمر الله أشلر، عن تفاصيل مشروع الممر السككي بين السعودية وتركيا، الذي من المتوقع أن يرى النور خلال فترة تتراوح بين 3 إلى 5 سنوات. ويأتي هذا المشروع الطموح، الذي تم تتويجه بتوقيع مذكرتي تفاهم في مجالات السكك الحديدية والخدمات اللوجستية، ليمثل نقلة نوعية في خريطة التجارة الإقليمية والدولية، ويربط منطقة الخليج بالأسواق الأوروبية عبر ممر بري آمن وفعال.
إحياء طرق التجارة التاريخية برؤية عصرية
يعيد هذا المشروع إلى الأذهان أمجاد طرق التجارة التاريخية التي ربطت شبه الجزيرة العربية بالأناضول وأوروبا لقرون طويلة، ولكنه يقدمها اليوم في إطار حديث ومتطور. ففي ظل التحديات الجيوسياسية التي تشهدها الممرات الملاحية الرئيسية، مثل التوترات في البحر الأحمر ومحور قناة السويس، أصبح إيجاد بدائل لوجستية برية ضرورة استراتيجية لضمان استقرار سلاسل الإمداد العالمية. ومن هنا، يكتسب الممر البري أهمية كبرى كشريان تجاري يوفر بديلاً أكثر أمناً واستقراراً، ويقلل من الاعتماد على المسارات البحرية المتقلبة، مما يعزز الأمن الاقتصادي لجميع الدول المشاركة.
أبعاد اقتصادية وجيوسياسية للممر السككي بين السعودية وتركيا
لا تقتصر أهمية المشروع على كونه مجرد بنية تحتية للنقل، بل يمتد تأثيره ليشكل رافعة اقتصادية وجيوسياسية للمنطقة بأكملها. بالنسبة للمملكة العربية السعودية، ينسجم المشروع بشكل مباشر مع مستهدفات رؤية 2030، التي تهدف إلى تحويل المملكة إلى مركز لوجستي عالمي يربط القارات الثلاث. أما بالنسبة لتركيا، فيعزز المشروع من مكانتها كجسر حيوي بين الشرق والغرب، ويدعم رؤيتها التنموية. سيمتد المسار المقترح من مدينة الدمام شرق المملكة، مروراً بالأردن وسوريا، وصولاً إلى تركيا ومنها إلى قلب أوروبا. ومن المتوقع أن يسهم هذا الربط في زيادة حجم التبادل التجاري الإقليمي، وخفض تكاليف الشحن بشكل ملحوظ، وتسريع وصول المنتجات إلى الأسواق العالمية، فضلاً عن خلق آلاف الفرص الاستثمارية والوظيفية على طول مساره.
من الدمام إلى أوروبا: تفاصيل المسار والجدول الزمني
أوضح السفير أشلر أن المشروع لا يزال في مراحله الأولية التي تلي توقيع مذكرات التفاهم، والتي ستركز على تبادل الخبرات الفنية وأفضل الممارسات في تصميم وتشغيل وصيانة مشاريع السكك الحديدية. ويشمل التعاون مجالات الهندسة، وتطوير البنية التحتية، وتوحيد المعايير الفنية والسلامة، لضمان تكامل شبكات النقل بين البلدين والدول التي يمر بها الممر. وأكد السفير أن الإرادة السياسية القوية لدى قيادتي البلدين تمثل الضمانة الأكبر لتحويل هذا الحلم إلى واقع في أقرب وقت ممكن، مقدراً أن فترة التنفيذ الكامل قد تستغرق ما بين 3 إلى 5 سنوات، وهي فترة زمنية منطقية لمشروع بهذا الحجم والتعقيد.
شراكة متنامية نحو آفاق أوسع
يأتي مشروع الممر السككي تتويجاً لمرحلة من التطور الإيجابي والزخم الكبير في العلاقات السعودية التركية. وقد شهدت الفترة الماضية تبادلاً للزيارات رفيعة المستوى، أبرزها زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى المملكة، وزيارة وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إلى تركيا، والتي شهدت توقيع اتفاقيات مهمة من بينها الإعفاء المتبادل من تأشيرة الدخول لحاملي الجوازات الدبلوماسية والخاصة. ويعكس هذا التعاون اللوجستي المتقدم الثقة المتبادلة والرغبة المشتركة في تعزيز الشراكة لتشمل كافة المجالات، بما يخدم مصالح البلدين والشعبين الصديقين، ويسهم في دعم استقرار وازدهار المنطقة بأكملها.


