في خطوة قد تعيد تشكيل المشهد الأمني الأوروبي بالكامل، تخطط الولايات المتحدة لتنفيذ أكبر تخفيض عسكري في أوروبا منذ نهاية الحرب الباردة. يأتي هذا الإجراء ضمن مساعي إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإعادة تقييم التزامات واشنطن الأمنية تجاه الحلفاء، مما يضع حلف شمال الأطلسي (الناتو) أمام تحديات استراتيجية غير مسبوقة في وقت حرج يتسم بتصاعد التوترات الجيوسياسية.
إعادة رسم خريطة التحالفات: جذور القرار وتداعياته
يعود الوجود العسكري الأمريكي المكثف في أوروبا إلى أعقاب الحرب العالمية الثانية، حيث شكل حجر الزاوية في استراتيجية الردع ضد الاتحاد السوفيتي طوال فترة الحرب الباردة. ومع تأسيس حلف الناتو عام 1949، أصبحت القوات الأمريكية الضامن الرئيسي لأمن القارة الأوروبية. لكن سياسة الرئيس ترامب، التي ترتكز على مبدأ “أمريكا أولاً”، دفعت باتجاه مطالبة الحلفاء الأوروبيين بتحمل عبء أكبر في الدفاع عن أنفسهم، والوفاء بالتزام إنفاق 2% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع. هذا القرار الأخير لا يُعد مفاجئاً بقدر ما هو تتويج لهذه السياسة، حيث يسعى لنقل الموارد العسكرية الأمريكية لمواجهة تحديات أخرى، لا سيما في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
تفاصيل التخفيض العسكري في أوروبا وتأثيره الميداني
وفقاً لتقارير نقلتها صحف عالمية مثل “نيويورك تايمز” و”دي فيلت” الألمانية، فإن الخطة الأمريكية تشمل تخفيضات كبيرة في القدرات الجوية والبحرية المخصصة لعمليات الناتو. من المقرر تقليص عدد المقاتلات الأمريكية من طرازي F-16 و F-15E من حوالي 150 إلى 100 مقاتلة فقط. كما سيتم خفض عدد طائرات الاستطلاع البحري من 26 إلى 15 طائرة، وهي حيوية لمراقبة تحركات الغواصات الروسية في شمال الأطلسي. ولعل الضربة الأكبر تتمثل في سحب جميع طائرات التزود بالوقود جواً الثماني، مما سيحد بشكل كبير من المدى العملياتي للطائرات المقاتلة الأوروبية وقدرتها على شن ضربات بعيدة المدى. بحرياً، تتضمن الخطة نقل غواصة لإطلاق الصواريخ، وحاملة طائرات، وسفن حربية أخرى، بالإضافة إلى إحدى مجموعتي القاذفات الاستراتيجية التي كانت متاحة للحلف في أوروبا.
أوروبا أمام تحدي الاعتماد على الذات
يأتي هذا التخفيض في لحظة بالغة الحساسية لأوروبا، مع استمرار الحرب في أوكرانيا وتزايد المخاوف من توسع نطاق العدوان الروسي. الحادثة الأخيرة التي استهدفت فيها طائرة مسيرة روسية مبنى سكنياً في رومانيا، العضو في الناتو، تبرز حجم التهديدات المباشرة. هذا القرار الأمريكي سيجبر الدول الأوروبية على تسريع خططها لإعادة تسليح جيوشها وتقليل اعتمادها على المظلة الأمنية الأمريكية. ورغم أن العديد من الدول الأوروبية، مثل ألمانيا وبولندا، قد بدأت بالفعل في زيادة إنفاقها العسكري، إلا أن بناء قدرات دفاعية متكاملة ومستقلة يتطلب وقتاً واستثمارات ضخمة. يرى الخبراء أن سحب الأصول الأمريكية، خاصة تلك المتخصصة في الاستطلاع والضربات الدقيقة، سيخلق فجوة عملياتية قد يستغرق سدها سنوات، مما يضع القارة أمام اختبار حقيقي لقدرتها على ضمان أمنها بنفسها.


