في خطوة دبلوماسية قد تعيد رسم ملامح التوازنات في الشرق الأوسط، تستعد واشنطن لتوقيع اتفاق إنهاء الحرب مع طهران خلال الأيام القادمة في جنيف. ويأتي هذا التطور وسط حالة من الغموض والترقب للموقف الإيراني النهائي، على الرغم من التصريحات المتفائلة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي أعلن فيها أن إدارته “أنهت الحرب مع إيران”، مؤكداً أن طهران وافقت على عدم امتلاك أسلحة نووية، وهو ما يمثل “95% من القضية” على حد وصفه.
مسار طويل من التوتر: خلفية المفاوضات الأمريكية الإيرانية
تعود جذور التوتر الحالي إلى عقود من العلاقات المعقدة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي شهدت ذروة دبلوماسية في عام 2015 بتوقيع خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي). لكن هذا المسار تعرض لنكسة كبيرة مع انسحاب إدارة الرئيس ترامب من الاتفاق في عام 2018، وإعادة فرض سياسة “الضغوط القصوى” التي شملت عقوبات اقتصادية خانقة على طهران. ومنذ ذلك الحين، شهدت المنطقة تصعيداً خطيراً، بما في ذلك هجمات على منشآت نفطية وناقلات في مياه الخليج، مما دفع بالجهود الدبلوماسية للبحث عن مخرج يمنع اندلاع مواجهة عسكرية شاملة. وتأتي المباحثات الحالية، التي تتم بوساطة قطر وباكستان، تتويجاً لهذه الجهود الساعية لنزع فتيل الأزمة.
بنود اتفاق إنهاء الحرب: ماذا تتضمن المذكرة المرتقبة؟
وفقاً لمصادر دبلوماسية ومسؤولين أمريكيين، فإن “مذكرة التفاهم” المرتقبة لا تهدف فقط إلى وقف الأعمال العدائية، بل تضع إطاراً لمعالجة القضايا الجوهرية. تتضمن البنود الرئيسية تمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، وهي فترة ستُستأنف خلالها المفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني. كما تنص المذكرة على إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية بالكامل ودون فرض رسوم عبور، مع استعادة الحركة إلى مستويات ما قبل الحرب خلال 30 يوماً. في المقابل، ستبدأ الولايات المتحدة برفع الحصار عن الموانئ الإيرانية تدريجياً، مع منح إعفاءات مؤقتة تسمح لإيران ببيع النفط لمدة 60 يوماً، على أن يتم توسيع نطاق تخفيف العقوبات لاحقاً بناءً على مدى التزام طهران بحسن نية ببنود الاتفاق.
أبعاد إقليمية ودولية وتحديات قائمة
يحمل هذا الاتفاق في طياته تداعيات تتجاوز حدود واشنطن وطهران. فعلى الصعيد الإقليمي، يمكن أن يساهم نجاحه في خفض منسوب التوتر في منطقة الخليج، ويؤثر إيجاباً على استقرار ممرات الطاقة العالمية. أما دولياً، فيمثل بارقة أمل لعودة الدبلوماسية كأداة لحل النزاعات الكبرى. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات، أبرزها آلية الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، حيث تفضل واشنطن أن يكون الإفراج تدريجياً ومشروطاً، بينما تطالب طهران بالحصول على جزء منها فور التوقيع. ورغم أن مصادر مطلعة أكدت أن كبار المسؤولين الإيرانيين وافقوا على النص حتى مساء الخميس، إلا أن الموقف النهائي للقيادة العليا في إيران لم يتضح بعد، مما يبقي الباب مفتوحاً أمام جميع الاحتمالات حتى لحظة التوقيع الرسمي في جنيف.


