في خطوة مفاجئة أنهت جموداً دبلوماسياً دام نحو عامين، رفعت المجر الفيتو الذي كانت تفرضه على بدء مفاوضات انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، وذلك خلال اجتماع لسفراء الدول الأعضاء الـ27 في العاصمة البلجيكية بروكسل. وجاء هذا التحول التاريخي بعد إعلان رئيس الوزراء المجري الجديد، بيتر ماجيار، عن التوصل إلى اتفاق ثنائي مع كييف يضمن حقوق الأقلية المجرية في منطقة زاكارباتيا الأوكرانية، مما مهد الطريق لإنهاء الاعتراضات المجرية التي طالما عرقلت هذا الملف الاستراتيجي.
أبعاد التوافق المجري الأوكراني ومستقبل انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي
يفتح هذا القرار الباب رسمياً أمام أوكرانيا للبدء في مناقشة أولى مجموعات فصول التفاوض، والمعروفة باسم «الأساسيات». وتشمل هذه المجموعة ملفات حيوية وحساسة للغاية تمس صلب العمل المؤسسي، مثل سيادة القانون، وحقوق الإنسان، والإصلاح القضائي، ومكافحة الفساد، بالإضافة إلى المعايير الديمقراطية. ومن المتوقع أن يتم الافتتاح الرسمي لهذه المجموعة التفاوضية في 15 يونيو المقبل في لوكسمبورغ.
وقد رحبت المفوضية الأوروبية بهذه الخطوة الإيجابية، واصفة إياها بأنها دليل ملموس على الجهود المشتركة والصادقة بين بودابست وكييف لحل القضايا العالقة منذ فترة طويلة. كما اعتبرت مصادر دبلوماسية أوروبية أن هذا التوافق يمثل إنجازاً كبيراً يعكس وحدة الصف الأوروبي في مرحلة جيوسياسية حرجة للغاية تمر بها القارة.
خلفية الصراع الدبلوماسي ومواقف القيادة المجرية السابقة
تاريخياً، شهدت العلاقات بين بودابست وكييف توترات مستمرة؛ حيث فرضت المجر، تحت قيادة رئيس الوزراء السابق فيكتور أوربان، فيتو صارماً على تقدم أوكرانيا في مسار العضوية منذ نهاية عام 2024 تقريباً. وكانت الحكومة المجرية السابقة تطالب بحلول جذرية لملف حقوق الأقلية المجرية التي يبلغ تعدادها نحو 100 ألف شخص يعيشون في أوكرانيا، لا سيما في مجالات التعليم باللغة الأم والحقوق الثقافية والسياسية.
ومع ذلك، أحدثت الانتخابات الأخيرة في المجر تحولاً سياسياً كبيراً؛ إذ شكل بيتر ماجيار حكومة جديدة تبنت نهجاً أكثر مرونة وانفتاحاً تجاه الملف الأوكراني. ولم يقتصر رفع الفيتو على مفاوضات العضوية فحسب، بل شمل أيضاً إنهاء العرقلة المجرية لتعويضات الدعم العسكري الأوروبي المقدم لأوكرانيا، مما يشير إلى رغبة القيادة الجديدة في تحسين العلاقات مع الشركاء الغربيين وتجاوز الخلافات السابقة.
التأثيرات الإقليمية ومسار العضوية الطويل
على الصعيد الإقليمي والدولي، يحمل هذا التطور دلالات بالغة الأهمية. فهو يبعث برسالة قوية تؤكد تماسك الموقف الأوروبي واستمرار دعمه لكييف في مواجهة التحديات الراهنة. كما يعزز من معنويات القيادة الأوكرانية التي ترى في التقارب مع أوروبا هدفاً وجودياً يضمن استقرارها السياسي والاقتصادي على المدى الطويل.
ورغم هذه الانفراجة الكبيرة، يؤكد المسؤولون في بروكسل أن عملية الانضمام تظل مساراً طويلاً وشديد التعقيد؛ حيث تتكون من 33 فصلاً تفاوضياً مقسمة على 6 مجموعات رئيسية. وتعد مجموعة «الأساسيات» هي الأولى التي تُفتح والأخيرة التي تُغلق نظراً لارتباطها المباشر بالبنية الديمقراطية للدولة، مما يعني أن الطريق أمام كييف لا يزال يتطلب إصلاحات هيكلية عميقة ومراقبة مستمرة من قبل المفوضية الأوروبية لضمان تلبية كافة الشروط الصارمة.


