أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام، الشيخ الدكتور ياسر بن راشد الدوسري، المسلمين بتقوى الله عز وجل ومراقبته في السر والعلن، مؤكداً أن من أعظم الغايات التي يجب أن يسعى إليها المؤمن بعد مواسم الطاعات هي تحقيق الثبات على دين الله وسؤاله الاستقامة حتى الممات. وجاء ذلك خلال خطبة الجمعة التي ألقاها في الحرم المكي الشريف عقب انتهاء مناسك الحج المباركة لهذا العام، حيث توافد الحجاج لبيت الله الحرام من كل فج عميق لأداء الفريضة الخامسة في أجواء مفعمة بالسكينة والإيمان.
أهمية الاستقامة بعد انقضاء مواسم الطاعات الكبرى
تأتي هذه الخطبة المباركة في سياق روحي وتاريخي عظيم؛ فلطالما كانت فترة ما بعد الحج مرحلة انتقالية هامة في حياة المسلم. تاريخياً، يمثل الحج نقطة تحول وولادة جديدة للمؤمن، حيث يعود من ذنوبه كيوم ولدته أمه. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة للتأكيد على مفهوم الاستقامة كضمانة لعدم التراجع أو نقض العهد مع الخالق سبحانه وتعالى بعد انقضاء الموسم المبارك.
وقد أشار الشيخ الدوسري إلى أن أمارة الحج المبرور وعلامة القبول والرضا تتجلى في المداومة على الطاعات والاستمرار في طريق الهداية، واصفاً الثبات بأنه الحصن الحصين والصخرة الراسخة التي تتكسر عليها عواصف الفتن والشبهات، والجبل الأشم أمام السيول الجارفة، وبه تُصان الفطر من الانحراف وتنجو العقول من الانجراف.
أبرز مقومات الثبات على دين الله في مواجهة الفتن
أوضح خطيب المسجد الحرام أن هناك أسباباً ومقومات واضحة تعين المسلم على تحقيق الثبات على دين الله، ويأتي في مقدمتها تحقيق التوحيد الخالص، والاعتصام بحبل الله المتين، والتمسك بالكتاب والسنة فهماً وتطبيقاً ودراسة وعملاً. كما شدد على أن لزوم منهج السلف الصالح، والمداومة على ذكر الله، وملازمة الصحبة الصالحة، والابتعاد عن المعاصي والسيئات، تعد من الركائز الأساسية التي تحفظ القلوب من التقلب والانحراف.
وبيّن فضيلته أن من أعظم أبواب الاستقامة دعاء الله وسؤاله الثبات على دينه حتى الممات، مستشهداً بالهدي النبوي الشريف ومؤكداً على أهمية الإلحاح في الدعاء لكون القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
الأثر الإقليمي والدولي لنجاح تنظيم الحج ورسالة الحرمين
لا تقتصر أهمية هذه التوجيهات على الصعيد الفردي فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً محلية وإقليمية ودولية واسعة. فعلى المستوى المحلي، يعكس نجاح موسم الحج الجهود الاستثنائية والخدمات المتكاملة التي تقدمها القيادة الرشيدة في المملكة العربية السعودية لخدمة ضيوف الرحمن، وهو ما أشاد به خطيبا الحرمين الشريفين.
أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن رسالة الحرمين الشريفين تسهم في تعزيز قيم الوسطية والاعتدال، ونشر ثقافة السلام والتسامح بين شعوب العالم الإسلامي، مما يعزز التلاحم والوحدة الإسلامية عقب هذا التجمع الإيماني المهيب الذي ضم ملايين البشر من مختلف الجنسيات والأعراق في صعيد واحد.
وصايا خطيب المسجد النبوي للحجاج والزوار
وفي المدينة المنورة، وجه إمام وخطيب المسجد النبوي، الشيخ الدكتور صلاح بن محمد البدير، نصائح بليغة للحجاج الذين يتهيأون للعودة إلى بلدانهم، محذراً إياهم من العودة إلى المحرمات بعد أن فتحوا صفحة بيضاء نقية في حياتهم. واستشهد بقوله تعالى: “ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً”، مؤكداً أن جمال الحج الحقيقي يكمن في عودة الحاج بأخلاق فاضلة وعقل رزين، ليكون قدوة صالحة في مجتمعه.
كما لفت الانتباه إلى فضائل المدينة المنورة ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، داعياً الزوار إلى التأدب بآدابها ورعاية حرمتها ومكانتها العظيمة، ومذكراً بأن باب التوبة مفتوح دائماً لمن أراد العودة والإنابة إلى الله عز وجل.


