أثار اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان ردود فعل متباينة في الأوساط السياسية اللبنانية، حيث علّق رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري على بنود هذا الاتفاق، رابطاً انسحاب عناصر حزب الله من منطقة جنوب نهر الليطاني بالانسحاب الكامل والشامل للقوات الإسرائيلية من كافة الأراضي اللبنانية. وجاءت تصريحات بري لتسلط الضوء على التعقيدات الكبيرة التي تكتنف مسار التهدئة، معتبراً أن أي صيغة لا تضمن السيادة الكاملة للبنان تظل منقوصة وغير عادلة.
أبعاد اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان وخلفياته التاريخية
يعيد هذا الحراك الدبلوماسي الأخير إلى الأذهان القرار الأممي رقم 1701، الذي تبناه مجلس الأمن الدولي في أعقاب حرب تموز عام 2006. وكان هذا القرار قد نص على خلو المنطقة الواقعة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني من أي مسلحين أو أسلحة عدا تلك التابعة للجيش اللبناني وقوات اليونيفيل الدولية. ومع ذلك، فإن تطبيق هذا القرار واجه عقبات مستمرة على مدى السنوات الماضية، مما جعل منطقة جنوب الليطاني بؤرة توتر دائم بين إسرائيل وحزب الله.
وتأتي المحادثات الأخيرة التي جرت في واشنطن برعاية أمريكية مباشرة، وبمتابعة من الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، لتضع صيغة جديدة تهدف إلى إنهاء التصعيد العسكري الأخير. غير أن هذه الصيغة واجهت انتقادات حادة من القوى اللبنانية التي ترى فيها شروطاً مجحفة تمس بالسيادة الوطنية وتمنح إسرائيل مكاسب ميدانية دون التزامات واضحة بالانسحاب الكامل.
موقف نبيه بري والتحفظات على بنود الاتفاق
في بيانه الصادر يوم الجمعة، أوضح رئيس مجلس النواب نبيه بري أن اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان كان يمكن أن يُقرأ بإيجابية لو أنه نص منذ البداية على وقف شامل وكامل للعمليات العسكرية دون قيد أو شرط، براً وبحراً وجواً، ودون تدمير للبنية التحتية والقرى اللبنانية. ووصف بري الاتفاق الحالي بأنه “مفخخ”، نظراً لأنه يشترط وقفاً تاماً للنار من جانب حزب الله وإجلاء عناصره إلى شمال الليطاني، في حين لا يلزم القوات الإسرائيلية بالانسحاب الفوري إلى ما وراء الحدود الدولية.
من جانبه، عبر أمين عام حزب الله، نعيم قاسم، عن موقف مماثل، حيث اعتبر أن الاتفاق بصيغته الحالية يمثل إهانة للبلاد، رافضاً انسحاب عناصر الحزب دون ضمانات حقيقية بانسحاب إسرائيل من كافة الأراضي اللبنانية المحتلة، ومشدداً على ضرورة أن تشمل التهدئة كافة المناطق اللبنانية دون استثناء.
تداعيات ميدانية وتوترات داخلية في الجنوب
على الصعيد الميداني، لم تقتصر تداعيات الاتفاق على المواقف السياسية فحسب، بل انعكست توترات على الأرض. فقد شهدت بلدة البيسارية في الجنوب اللبناني اشتباكات وتوترات بين أنصار حركة أمل التي يتزعمها نبيه بري، وعناصر من حزب الله، مما استدعى تدخلاً سريعاً وانتشاراً واسعاً لوحدات الجيش اللبناني لضبط الأمن ومنع تفاقم الأوضاع. وتظهر هذه الحادثة مدى الحساسية الداخلية والتعقيدات التي تواجه تطبيق أي اتفاق أمني في المناطق الجنوبية.
الأهمية الإقليمية والدولية لمستقبل التهدئة
تحمل التطورات الراهنة في لبنان أهمية بالغة تتجاوز الحدود المحلية لتلقي بظلالها على المشهد الإقليمي والدولي. فاستقرار الجنوب اللبناني يعد ركيزة أساسية لأمن منطقة الشرق الأوسط بأكملها. ويرى مراقبون أن نجاح أو فشل اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان سيحدد شكل التوازنات الإقليمية القادمة، خاصة فيما يتعلق بالنفوذ الإيراني في المنطقة وأمن شمال إسرائيل.
دوليًا، تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى تأمين جبهة الشمال الإسرائيلي وإعادة النازحين، وهو ما يفسر الضغط الدبلوماسي المكثف للتوصل إلى صيغة مستدامة. ومع ذلك، فإن غياب التوافق الداخلي اللبناني والشروط الإسرائيلية الصارمة قد يضعان المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة على كافة الاحتمالات، مما يجعل الأيام القادمة حاسمة في تحديد مصير التهدئة الاستراتيجية.


