تشهد العاصمة بودابست تصعيداً دستوريًا غير مسبوق يهدد بإدخال البلاد في نفق سياسي مظلم، حيث تتصاعد الأزمة السياسية في المجر بشكل متسارع. وجاء هذا التوتر بعد أن وجّه رئيس الوزراء المجري، بيتر ماغيار، تهديداً صريحاً ومباشراً إلى الرئيس تاماس سوليوك، ملوحاً بإطلاق إجراءات قانونية وتشريعية لعزله من منصبه في حال استمراره في رفض تقديم استقالته. هذا التصعيد جاء عقب اجتماع ثنائي جمع الطرفين، حيث أكد ماغيار أن حكومته لن تتوانى عن اتخاذ الخطوات اللازمة لإنهاء ما وصفه بـ “تقويض سيادة القانون والديمقراطية”.
جذور الصراع الدستوري وإرث الحقبة الماضية
لتفهم أبعاد هذا الصراع، يجب العودة إلى المشهد السياسي المجري الذي سيطر عليه حزب “فيدس” بقيادة رئيس الوزراء السابق فيكتور أوربان لأكثر من عقد ونصف. على مدار 16 عاماً، تمكن أوربان من إعادة صياغة القوانين وتعيين حلفائه في المناصب السيادية والدستورية الحساسة، بما في ذلك المحكمة الدستورية ورئاسة الجمهورية.
ومع الصعود الكاسح لحزب “تيسا” ذي التوجه الوسطي المحافظ في الانتخابات العامة الأخيرة، وتولي بيتر ماغيار رئاسة الوزراء، بدأت ملامح عهد جديد تتشكل في البلاد. يسعى ماغيار وحكومته إلى تفكيك شبكة النفوذ القديمة وإجراء إصلاحات هيكلية واسعة في مؤسسات الدولة. ويأتي الرئيس الحالي تاماس سوليوك، الذي انتخبه البرلمان بدعم من “فيدس” في مطلع عام 2024، في عين العاصفة، حيث يتهمه ماغيار بالانحياز التام لسياسات العهد السابق وعدم تمثيل وحدة الأمة كما ينص الدستور.
كيف ستؤثر الأزمة السياسية في المجر على صلاحيات الرئيس؟
أعلن رئيس الوزراء بيتر ماغيار أن حزبه “تيسا”، الذي يمتلك أغلبية الثلثين في البرلمان، يعتزم تقديم حزمة من المقترحات التشريعية لبدء إجراءات عزل الرئيس، وهي عملية قد تستغرق نحو شهر. في المقابل، يرى حزب “فيدس” المعارض أن هذه التهديدات تمثل “إنذاراً غير قانوني”، مؤكداً أن الرئيس سوليوك يمارس مهامه الدستورية الشرعية الممتدة حتى عام 2029، وأن عزله غير ممكن قانونياً بموجب القواعد الحالية.
وعلى الرغم من أن منصب الرئيس في المجر يعتبر شرفياً وبروتوكولياً إلى حد كبير، إلا أنه يمتلك صلاحيات حاسمة تتمثل في القدرة على إعادة القوانين إلى البرلمان لمراجعتها، أو إحالتها إلى المحكمة الدستورية العليا (التي ترأسها سوليوك سابقاً منذ 2016). هذه الصلاحية تمنح الرئيس القدرة على عرقلة أو تأخير الإصلاحات التي تحاول حكومة ماغيار تمريرها، مما يجعل منصب الرئاسة ساحة معركة حقيقية بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
تداعيات المواجهة الكبرى محلياً ودولياً
تتجاوز هذه المواجهة الدستورية الحدود المحلية للمجر لتلقي بظلالها على الساحة الأوروبية والدولية. محلياً، قد تؤدي محاولة عزل الرئيس إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، خاصة مع وجود قاعدة شعبية لا يستهان بها لحزب “فيدس” القديم الذي يرى في هذه الخطوات محاولة للاستئثار بالسلطة وتصفية الحسابات السياسية.
أما إقليمياً ودولياً، فإن الاتحاد الأوروبي يراقب الوضع في بودابست عن كثب. لطالما كانت المجر تحت مجهر بروكسل بسبب قضايا تتعلق بسيادة القانون وتراجع المعايير الديمقراطية خلال فترة حكم أوربان. إن نجاح حكومة ماغيار في إجراء هذه التغييرات قد يعيد ترتيب علاقات بودابست مع الاتحاد الأوروبي ويسهم في إنهاء الخلافات المستمرة، بينما قد يؤدي الفشل أو الانزلاق إلى فوضى دستورية إلى تعميق عزلة المجر الأوروبية وتأخير تعافيها الاقتصادي.


