طالب المفتش العام للجيش الألماني، كارستن بروير، الولايات المتحدة الأمريكية بتقديم توضيحات عاجلة وخارطة طريق شفافة ومحددة زمنياً بشأن خططها العسكرية المستقبلية في القارة الأوروبية. يأتي هذا التحرك الألماني في أعقاب حالة القلق والجدل الواسع التي أثارتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد إعلانها المفاجئ عن قرار سحب القوات الأمريكية من ألمانيا، والذي يشمل تقليص القوات بنحو 5 آلاف جندي أمريكي، مما يضع العلاقات الدفاعية بين ضفتي الأطلسي أمام اختبار حقيقي.
مخاوف برلين وتحديات سحب القوات الأمريكية من ألمانيا
وفي مقابلة خاصة مع وكالة “بلومبرغ” للأنباء، أشار بروير إلى أن هذا القرار الأمريكي الصادم يأتي في وقت تبذل فيه ألمانيا جهوداً استثنائية لتعزيز قدراتها الدفاعية. وأوضح أن برلين رفعت إنفاقها العسكري بشكل كبير، مؤكدة التزامها بتحقيق هدف حلف شمال الأطلسي (الناتو) المتمثل في زيادة الإنفاق الدفاعي ليصل إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2029، وهو ما يسبق الموعد المتفق عليه بست سنوات كاملة.
وأضاف المفتش العام أن المطالب الأمريكية المستمرة لأوروبا بتحمل مسؤولية أمنها الخاص تضع القارة العجوز أمام معضلة أمنية شائكة. ورغم إدراك القادة الأوروبيين لضرورة الاعتماد على الذات وتحمل المزيد من المسؤوليات الدفاعية، إلا أن بناء القدرات العسكرية واللوجستية اللازمة لتعويض الفراغ الأمريكي لا يمكن تحقيقه بالسرعة التي تفرضها واشنطن، مما يتطلب تنسيقاً وثيقاً وجدولاً زمنياً واضحاً لعملية الانسحاب.
الجذور التاريخية للوجود العسكري الأمريكي في القارة العجوز
يعود الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا إلى نهاية الحرب العالمية الثانية وتأسيس حلف شمال الأطلسي (الناتو) في عام 1949، حيث شكلت الأراضي الألمانية القواعد الخلفية الأساسية للدفاع عن غرب أوروبا خلال حقبة الحرب الباردة في مواجهة الاتحاد السوفيتي. وطوال العقود الماضية، كانت القواعد الأمريكية في ألمانيا، مثل قاعدة “رامشتاين” الجوية، بمثابة مراكز قيادة حيوية للعمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط وإفريقيا، وليس فقط لحماية أوروبا. لذلك، فإن أي تعديل في حجم هذه القوات يمثل تحولاً جذرياً في العقيدة الأمنية المشتركة التي استمرت لأكثر من سبعة عقود.
الأبعاد الجيوسياسية والتأثيرات الدولية لتقليص القوات
تتجاوز تأثيرات هذا القرار الحدود الألمانية لتلقي بظلالها على الأمن الإقليمي والدولي ككل. فعلى الصعيد الإقليمي، يثير الانسحاب مخاوف حلفاء الناتو في شرق أوروبا، الذين يرون في الوجود الأمريكي رادعاً أساسياً لأي تحركات روسية محتملة، خاصة في ظل الأزمة المستمرة في أوكرانيا. ودولياً، يبعث هذا القرار برسائل مقلقة لحلفاء واشنطن حول مدى التزام الولايات المتحدة باتفاقيات الدفاع المشترك.
وفي سياق متصل، تطرق بروير إلى الملف الآسيوي والصين، مشيراً إلى أن بكين “فوتت فرصة ذهبية للتواصل البناء مع دول آسيا وخارجها”. وأكد أن مصالح أوروبا الحيوية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ تتجاوز الصين بكثير، حيث تسعى القارة لتعزيز حضورها هناك بالتوازي مع دعمها المستمر لأوكرانيا، مما يبرز الترابط الوثيق بين الأمن في أوروبا وآسيا.
انتقادات واشنطن للحلفاء التقليديين في أوروبا
من جهة أخرى، جاءت تصريحات وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، لتؤكد الفجوة المتزايدة في وجهات النظر بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين. ورغم إشادة هيغسيث بالشركاء الآسيويين للولايات المتحدة واستقرار العلاقات مع الصين، إلا أنه وجه انتقادات لاذعة للشركاء التقليديين في أوروبا وحلف الناتو، مشدداً على أن أمامهم قرارات مصيرية وصعبة يجب اتخاذها دون إبطاء لزيادة مساهماتهم الدفاعية وتخفيف العبء المالي والعسكري عن كاهل دافعي الضرائب الأمريكيين.


