في خطوة تعكس عمق التوتر المتصاعد بين الحليفين التقليديين، أعلنت وزارة الخارجية الروسية يوم السبت أنها استدعت سفيرها في أرمينيا، سيرغي كوبيركين، إلى موسكو لإجراء مشاورات عاجلة. ويأتي هذا الإجراء الدبلوماسي اللافت كرسالة احتجاج واضحة على ما وصفته موسكو بـ”الخطوات غير الودية” التي اتخذتها القيادة الأرمينية مؤخراً، والتي تشير إلى تحول استراتيجي في سياسة يريفان الخارجية نحو تعزيز العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. إن قرار روسيا تستدعي سفيرها في أرمينيا لا يمثل مجرد إجراء بروتوكولي، بل هو مؤشر خطير على تدهور العلاقات التي كانت يوماً ما حجر الزاوية في الأمن الإقليمي لمنطقة جنوب القوقاز.
جذور التوتر: تحول في التحالفات التاريخية
تستند العلاقات الروسية الأرمينية إلى إرث تاريخي طويل من التحالف السياسي والعسكري والاقتصادي، خصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. فأرمينيا عضو رئيسي في المنظمات التي تقودها موسكو، مثل منظمة معاهدة الأمن الجماعي (CSTO) والاتحاد الاقتصادي الأوراسي (EAEU)، واعتمدت لعقود على روسيا كضامن أساسي لأمنها، لا سيما في مواجهة جارتها أذربيجان. إلا أن هذا التحالف الاستراتيجي بدأ يواجه تحديات غير مسبوقة في السنوات الأخيرة، وبلغت ذروتها بعد حرب ناغورنو كاراباخ الثانية في عام 2020 والعملية العسكرية الأذربيجانية الخاطفة في سبتمبر 2023 التي أدت إلى سيطرة باكو الكاملة على الإقليم ونزوح جماعي للسكان الأرمن.
شعرت يريفان بخيبة أمل عميقة إزاء ما اعتبرته تقاعساً من جانب روسيا وقوات حفظ السلام التابعة لها عن حماية مصالحها ومنع سيطرة أذربيجان على الإقليم. وقد عبّر رئيس الوزراء الأرميني، نيكول باشينيان، علناً عن أن الاعتماد على حليف أمني واحد كان “خطأً استراتيجياً”، مما فتح الباب أمام حكومته للبحث عن شركاء أمنيين جدد وتنويع سياستها الخارجية.
أفق جديد أم مخاطرة جيوسياسية؟ أرمينيا والتوجه غرباً
رداً على ما تراه فشلاً للضمانات الروسية، اتخذت أرمينيا سلسلة من الخطوات التي أثارت حفيظة الكرملين. فقد جمدت يريفان عملياً مشاركتها في أنشطة منظمة معاهدة الأمن الجماعي، ورفضت استضافة تدريبات عسكرية للمنظمة على أراضيها، وفي المقابل، شاركت في مناورات عسكرية مشتركة مع القوات الأمريكية. علاوة على ذلك، صعّدت أرمينيا من خطابها الداعم للتكامل مع أوروبا، حيث لم يستبعد المسؤولون الأرمن إمكانية التقدم بطلب للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي في المستقبل. وتأتي خطوة روسيا تستدعي سفيرها في أرمينيا في سياق هذا التحول الجذري، الذي تعتبره موسكو تهديداً مباشراً لنفوذها في فنائها الخلفي التاريخي. وتنظر روسيا بقلق إلى محاولات الغرب لتعزيز وجوده في منطقة القوقاز، وتتهمه بالسعي لتقويض مكانتها كقوة إقليمية مهيمنة.
هذا التجاذب الجيوسياسي يضع أرمينيا في موقف دقيق، حيث تحاول الموازنة بين علاقاتها الاقتصادية العميقة مع روسيا ورغبتها في بناء شراكات أمنية جديدة مع الغرب. ويبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كان هذا التحول سيؤدي إلى تعزيز سيادة أرمينيا وأمنها، أم أنه سيجرها إلى مواجهة أعمق مع حليفها التاريخي القوي، مع ما قد يترتب على ذلك من تداعيات اقتصادية وأمنية وخيمة.


