في خطوة دبلوماسية هامة، احتضنت واشنطن جولة جديدة من المباحثات الأمنية بين وفدين من لبنان وإسرائيل، حيث برز ملف نزع سلاح حزب الله كعقبة رئيسية ونقطة محورية في النقاشات التي استمرت لساعات طويلة في مقر وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون). تأتي هذه المحادثات، التي جرت بوساطة أمريكية، في ظل تصاعد التوترات على الحدود الجنوبية للبنان، لتسلط الضوء على التعقيدات التي تحيط بإنهاء حالة العداء المستمرة منذ عقود، وفي وقت تواصل فيه إسرائيل هجماتها على جنوب لبنان.
جذور التوتر: من القرار 1701 إلى طاولة المفاوضات
يعود التوتر الحالي إلى جذور تاريخية عميقة، أبرزها حرب يوليو 2006 التي انتهت بصدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701. دعا القرار إلى وقف كامل للأعمال العدائية، وانسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، ونشر الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل في المنطقة، والأهم من ذلك، جعل جنوب لبنان منطقة خالية من أي مسلحين أو أسلحة غير تابعة للدولة اللبنانية. ورغم مرور سنوات على صدوره، ظل تطبيق هذا البند، الذي يستهدف بشكل مباشر ترسانة الحزب، نقطة الخلاف الجوهرية. فبينما تعتبر إسرائيل وجود سلاح حزب الله انتهاكاً صارخاً للقرار وتهديداً وجودياً لأمنها، يصر الحزب على الاحتفاظ بسلاحه كقوة “مقاومة” ضد إسرائيل، مما خلق واقعاً أمنياً معقداً يقوض سيادة الدولة اللبنانية.
مطالب متقاطعة في واشنطن
كشفت مصادر مطلعة أن المباحثات التي استمرت لأكثر من تسع ساعات، شهدت تبادلاً للمطالب المتباينة. حيث قدم الوفد الإسرائيلي خرائط ومعلومات استخباراتية حول ما وصفها بمنشآت عسكرية ومواقع للطائرات المسيّرة تابعة لحزب الله شمال نهر الليطاني، مطالباً الجيش اللبناني بالتحرك الفوري لتفكيكها ومصادرة أسلحتها. وربطت إسرائيل أي انسحاب مستقبلي من الأراضي اللبنانية بزوال هذا التهديد بشكل كامل. في المقابل، تمسك الوفد اللبناني بموقفه الداعي إلى انسحاب إسرائيل من كافة الأراضي اللبنانية المحتلة، رافضاً ربط ذلك بأي قضايا أمنية داخلية، ومعتبراً أن مسألة التطبيع الأمني قرار سياسي لا يدخل في صلاحيات الوفد العسكري.
أبعاد إقليمية ودولية: ما أهمية نزع سلاح حزب الله؟
تتجاوز قضية نزع سلاح حزب الله حدود لبنان وإسرائيل لترتبط بتوازنات القوى في الشرق الأوسط بأكمله. فعلى الصعيد المحلي، يمثل سلاح الحزب تحدياً دائماً لسلطة الدولة اللبنانية وقدرتها على بسط سيادتها الكاملة على أراضيها، كما أنه سبب رئيسي في الانقسام السياسي الداخلي. أما إقليمياً، فيُنظر إلى حزب الله كأحد أبرز أذرع إيران العسكرية في المنطقة، وأي خطوة نحو نزع سلاحه ستُعتبر ضربة قوية للنفوذ الإيراني في بلاد الشام وتغييراً استراتيجياً في ميزان القوى. دولياً، تدعم الولايات المتحدة وحلفاؤها بقوة فكرة حصر السلاح بيد الجيش اللبناني، وترى في هذه المباحثات فرصة لتحقيق رؤية الإدارة الأمريكية لإحلال سلام دائم في المنطقة، وهو ما من شأنه أن يعزز الاستقرار ويفتح الباب أمام دعم اقتصادي وسياسي للبنان المأزوم.
ورغم أن البنتاغون وصف المحادثات بـ”المثمرة”، مؤكداً التزام الطرفين بالعمل نحو إطار يعزز الأمن الإقليمي، إلا أن الطريق لا يزال طويلاً وشائكاً. فالمحادثات العسكرية تمهد لمفاوضات سياسية أكثر تعقيداً، وتبقى نتائجها مرهونة بمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات حقيقية، وبقدرة الوسيط الأمريكي على جسر الهوة الواسعة بين المطالب اللبنانية والمخاوف الأمنية الإسرائيلية.


