شهدت الولاية الشمالية في السودان تصعيداً ميدانياً خطيراً، حيث تفاقمت أزمة الكهرباء في عبري لتتحول إلى مواجهات عنيفة بين مئات المحتجين الغاضبين وقوات الشرطة والأجهزة الأمنية. جاء هذا التوتر الجماهيري غير المسبوق على خلفية الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي لساعات طويلة يومياً، مما أدى إلى شلل تام في الحياة اليومية للمواطنين، وذلك وفقاً لما نقلته هيئة الإذاعة البريطانية ومصادر محلية متطابقة.
جذور أزمة الكهرباء في عبري والسياق التاريخي للصراع
لا يمكن فصل ما يجري في مدينة عبري عن المشهد السوداني العام. فمنذ اندلاع النزاع المسلح في الخامس عشر من أبريل عام 2023 بين الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بـ “حميدتي”، تضررت البنية التحتية للبلاد بشكل كارثي. أدت هذه الحرب المستمرة إلى تدمير واسع لمحطات التوليد وخطوط النقل الرئيسية، فضلاً عن توقف عمليات الصيانة الدورية بسبب نقص التمويل وصعوبة وصول الفرق الهندسية. وفي هذا السياق، أصبحت المدن التي لم تشهد اشتباكات مباشرة، مثل مدن الولاية الشمالية، تعاني من تداعيات غير مباشرة تتمثل في نقص حاد في الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الإمداد الكهربائي الذي يخضع لبرمجة قطع قاسية.
تصاعد الاحتجاجات وإغلاق الشرايين التجارية
بحسب شهود عيان، اتخذت الأحداث منحنى تصعيدياً بعد أن فشلت المفاوضات بين ممثلي المجتمع المحلي والمدير التنفيذي للمنطقة لإيجاد حلول جذرية تنهي معاناة السكان. إثر ذلك، تحرك مئات المواطنين نحو الطريق البري الرئيسي شمالي المدينة، وقاموا بإغلاق الطريق التجاري الاستراتيجي الذي يربط بين مدينتي “حلفا” و”دنقلا”. استدعى هذا التحرك تدخلاً سريعاً من قوات مكافحة الشغب التي وصلت كتعزيزات أمنية من المناطق المجاورة. استخدمت القوات الغاز المسيل للدموع لتفريق المعتصمين، وتطورت الأحداث إلى ملاحقات داخل الأحياء السكنية واشتباكات متقطعة تركزت بعضها في محيط مستشفى المدينة، مما أثار حالة من الهلع بين المرضى والسكان.
الأهمية الاستراتيجية لمدينة عبري وتأثيرات الحدث
تكتسب مدينة “عبري”، الواقعة في منطقة السكوت بالولاية الشمالية، أهمية استراتيجية واقتصادية بالغة. فهي تمثل نقطة عبور حيوية على الطريق الدولي الرابط بين السودان وجمهورية مصر العربية، مما يجعل أي اضطراب أمني فيها مؤثراً بشكل مباشر على حركة التجارة الإقليمية وسلاسل الإمداد. بالإضافة إلى ذلك، تعتبر المنطقة حاضنة لأكبر احتياطيات الذهب في السودان، حيث تنشط فيها شركات التعدين الكبرى والتعدين الأهلي. إن استمرار انقطاع الكهرباء والتوترات الأمنية يهدد بتوقف هذه الأنشطة الاقتصادية الحيوية التي يعتمد عليها الاقتصاد السوداني بشكل كبير في ظل ظروف الحرب الحالية.
تداعيات إنسانية ومخاوف من اتساع رقعة التوتر
على الصعيد المحلي والإنساني، تسببت هذه الأزمة في شلل تام للقطاع الزراعي الذي يعتمد بشكل أساسي على الري الآلي المرتبط بالكهرباء، مما يهدد الأمن الغذائي للمنطقة. كما أدى انقطاع التيار إلى تدهور خطير في الخدمات الطبية داخل المستشفيات والمراكز الصحية، وتوقف محطات ضخ المياه النقية، مما ينذر بكارثة صحية وبيئية. ولا تزال الأوضاع في المدينة محتقنة للغاية، وسط مخاوف جدية من اتساع رقعة المواجهات لتشمل مدناً أخرى في الولاية الشمالية، خاصة مع تمسك اللجان الشعبية والمواطنين بموقفهم واستمرار الاحتجاجات حتى يتم الاستجابة لمطالبهم المشروعة واستعادة استقرار الإمداد الكهربائي بالكامل.


